|
Jarbo.com |
|
|
أرواح البحر مئة وخمسون ألفا من الأرواح ذابت في البحر في طرفة عين, لا مستنكر ولا شاجب ولا حتى شاكي من البحر, الدموع غسلها الموج وذابت بأحزانهم . قال البعض: هذا غضب البحر, طالما استمتعتم بمائه وهوائه وطعامه ولم تشكروه, وأبحرتم في لجاجة وأجوائه ولم تقدروه , وكيف لا يغضب وأنتم تسبحون فيه بأجسامكم المتسخة الدنسة, وكل تجاربكم المدمرة تفجرون في جوفه ونفاياكم القاتلة ترمون على أعتابه قال حكيم الدهر: قدموا للبحر قرابين سوف تنجون من غضبه. وقال الذي عنده علم من الكتاب لا بل حسنوا أعمالكم واستغفروا ربكم لعلكم ترحمون. خواطر تثير الخاطرلا يهمني من تكون ..وليس همي من أكون كن من قبيلة الصحراء من نسل الصخر أو الحجر كن من فصيلة الغابة من عرق الأبنوس .. آسرتني قافلة السرى فأسرتني , فسجي الليل من طائل الضحى فأرقتني حبو النجود وردى الوهاد , وآثرت هجر الهجيع .. سلوا عنا قافلة السرى , وسلوا القرى ومن عبرنا , هل خبروا عنا ؟ في قافلتي أمير, ورفيق كفيف البصر , وحسيب ووضيع وصغير في عباءة الكبر هيا سيروا إلى العلا حتى المرتقى , هيا ..الى اللقاء في الملتقى لا يهمني من أكون , وليس همي من تكون .. الحمار والسلطانكان جحشاَ طروباَ ومدللاَ , لا يطاوع أمه حتى في السعي إلى المرعى .. ينأى ويرتع في المروج وحقول البرسيم ومنابع العذب , لا أحد يجرؤ على زجره ولو نهق وروث على أعتاب قصر السلطان , شب الجحش وترعرع في رعاية القصر ,في ذاكرته ذكريات ولحظات مخملية مرت سراعا 0 في قصر السلطان , تعلم أكل الزنجبيل , وشرب النبيذ , يبصر ولا ينطق ولكن يلتقط الأصوات بأذنين طويلتين ويبتسم .. ابتسامة رضا أم ابتسامة إدراك اللغز ؟ لا يهم00 المهم يبتسم فحسب ., ويبتسم معه الجميع مؤكدين وضوح الموقف !! عار أن تدرك بعد الحمار .. من أقصى المدينةفي ركن قصي من المدينة اتخذ بيتاَ له , لا يحب مخالطة الناس ولا الاستماع إلي ثرثرتهم . يغدو باكراَ إلي حقله , هناك يقضي وقتاَ في تأمل الكون .ويسرح البصر في متاهة السماء المسربلة بالزرقة , هناك رأى ما يرى النائم في المنام وهو يقظان , هناك في أفق السماء أحداثا وزخماَ ومعارك وضجيجاَ يملأ عنان السماء, وصدىَ يمتد إلى أذنيه , في المعمعة السماء عادت به لمحة الذاكرة إلى الزمان الأول , وطافت به محطات مرعبة وصدمته بذكرى أليمة , فجأة ارتد إليه البصر , وعاد به إلى الحقل , تنفس الصعداء, وتحسس الطين والحجر , واستنشق عطر الزهور الممزوجة برائحة الطين والطحلب , انبسطت أسارير وجهه الصارم , وأمن هدأة السماء وسكون المكان وهدوء الزمان , وقف متكئاَ على عصاه , يجس نبض الطريق , قبل الخطو إلى البيت .. نهاية الأسطورةفي قريتي عجوز تحكي روايات مثيرة عن ماضينا في كل أمسية يتحلق الناس أمام كوخها الصغير في قلب القرية ويستمعون إليها بلهفة جمة , لا يقاطعها ولا يداخلها أحد حتى في ترددها , ما ترويها غريب إلى حد الريبة , قال بعضهم , هذه أساطير لا تمد الحقيقة بشي , وقال الآخرون بل كنا على غفلة من ماضينا وكشفت عنا غطاء الأسطورة!! , عندها بدأت الكثرة تنفض من حولها , وصمدت القلة تتابع الحكاية من البداية . النافذةخرج لتوه من المسجد بعد صلاة الفجر , كعادته يردد الأوراد والأدعية في طريقه إلي البيت , أحس بحركة غير طبيعية من قفة ملقى على قارعة الطريق , أقترب منها بفضول , فجأة انفجر صراخ طفل من داخل القفة , وثب إلي الوراء متأهباَ للهروب , ولكنه تريث , وأزاح غطاء القفة بحذر , فإذا بوليد لم يتجاوز عمره يوم يرفس في داخلها , أخذ ينادي في الناس : مولود جديد ملقى على الطريق .., أشاروا إلى بيت في نهاية الزقاق يأوي النساء , أسرع إليه وطرق الباب , بدلاَ منه فُوتحت النافذة , أطلت إحداهن سافرة , تند بجمال شرير وابتسامة خبيثة , فهمها , وهي أيضا لم تسئ الفهم, فأغلقت النافذة الصحراء أمامك أفق يمتد إلى بحر سراب سحيق كرة تنداح أمامك كل ما حاولت المساس بحدودها العذري معزوفة الرياح على أوتار أذنيك سيمفونية لا تكف ولا تفتر ذرات الثرى البلوري تلاعب المقل وتسكن ظلال رموشها الكثيفة وأمواج الثرى المتلاحقة تتكسر على صدى ساقيك النحيلتين تغوص قدماك في التبر الذهبي الناعم إلى الكعبين , كأن الشعاع الشمس الغروب ذاب على روابيها المشرئبة على المزن اللجينية لعلها تجود مطراَ تطفئ به ظمأ السنين الخوالي . ليلها ساطع النجم دليل ودلائل الليل قليل , وزمهريرها ظعن من جحيم الشمس الضحى والظهيرة, الريح عطر والوجوه أقمار والليل أرهف وأصغى راوي السمار . أين البحر منك في الروعة, وأين السهل منك في البسط في ربوعك الفيحاء مكثا لباحث الطلق البهيج , كثبانك العفر هندسة لا نقش جن ولا لبنان اٍنس شأن , . حسداً تلافى الشعراء عن وصف جمالك , وعبثاَ يكف البلبل عن التغريد في جنانك , تكفيك باسقات النخل في واحاتك وعيون الماء في وهادك , وصفاء سماءك , وأنس النجوم الليل على جلساءك . ما أجمل فجرك الفضي على خدود كثبانك , وندى الفجر تغسل الكرى من مقل السهارى على محراب جمالك ونسيم فجرك اللماح يردف الحسن على وجناتك ولجمال الصحراء آية وألف حكاية . الخبر تدافعت الجموع لسماع الخبر السار , اشرأبت الأعناق وأرهفت الآذان إلى رجل أنيق يتوسطهم , كان منفعلاَ ومزهواً, ثاقباً النظرات , تلمح الوجوه المتباينة , وجوه صارمة وأخرى عابسة متعبة , ووجوه عليها نضارة ورقة تشعرك بأحوال أصحابها , افتتح الحديث بمقدمة مسهبة وواصل الحديث مسترسلاً.. , تراخت الأعناق , وتراجعت الأقدام وانصرفت الأنظار.. ,قالوا: ما أشبه الليلة بالبارحة . التماس دخل عليه بعد انتظار طويل متلمساً حاجته , ولم يلفت إليه ولم يكلمه , واصل ألإطلاع كما لو أن أحدا لم يدخل عليه ,ولم يرد التحية كما يجب بل همهم بكلمات لم يعرف معناه ,وواصل تقليب الدفاتر وتفتيش الأدراج ,كالذي يبحث عن قلم في وسط الدفاتر أخيرَا استقر النظر على نظارة صغيرة في حافة الطاولة لقطها برفق ووضعها على عينيه , ورفع حواجبه قليلاً وقال له : نعم .., مد له الطلب في ظرف عليه اسمه فتح الظرف وألقى نظرة خاطفة على عنوان الطلب ورد عليه قائلاَ .. لا ..لسنا في حاجة إلى ذلك ..مع السلامة في جوف الليل سمع صوفي يتعبد في جوف الليل أحداَ يغني , أرهف السمع لصوت المغني لم يحدد مصدره , وكلما زاد وتيرة التسبيح والتعويذ , ارتفع صوت المغني , وتفنن في الألحان والشغوف سمعه يقول : الليلة يا ناس بألف ليلة , ذكره بالليلة القدر خير من ألف شهر , بدأ هو الآخر يرتل القرآن , بصوت رخيم 0 أنشودة البؤساء لا تبكيني .. يكفيك ..ويكفيني بكى الزمان على جرمك وحزني وربي ما ذاك السالف أنسي لا تذكرني .. أبحرت بي سفنك حيت لا أدري مجراها أجراحي ومرساها مأساتي لا تبكيني .. ختران جندك دك معقلي ورحى أغلالك دق معصمي وصدى سياطك صك ظهري لا تبكيني.. نعيمك وراءه كاهلي وعرسك على أطلال أحلامي أنت عربيد كربي ومحنتي لا تبكيني .. يكفيك ويكفيني .. سر الرجل كان يبدوا رقيقاً يرد التحية باهتمام ويبتسم , كنا عشر عوائل نسكن عنده في العمارة يذكرنا دائماَ أن لا نأخر أجرة الشقة عن الموعد مهما كان الظروف , قرر مرة أخلاء العمارة من قاطنيها , وطلب منا الرحيل في أقرب وقت , التمسناه مهلة لترتيب الرحيل , . بعدها قابلناه بالتحية , بدأ عبوساً قمطريرا رد قائلاَ : متى ترحلون ؟؟ السعادة هذه الصورة قديمة لأصدقاء الزمان الأول نظرت إليها طويلاً وغرقت في ذكريات الأيام الخوالي جميع الوجوة مشرقة ناضرة وتشع بالحياة , ولا إشارة إلى ما يخبئه القدر. وها هم قد انتشروا في الأرض , وساقهم الأقدار إلى حيث التجارب والعناء , فمن يستطيع أن يثبت أن السعادة كانت وهماَ لا حلماَ . حامد جربو /السعودية |