|
Jarbo.com |
|
|
وعل أم كردوس (رواية قصيرة ) كان الوقت باكراَ بعيد الفجر, عندما دخل الرجال الستة بيت العجوز فتينة أو( الميرم ) فتينة , ليست زيارة عادية في هذا الوقت , بل لأمر هام في غاية الأهمية والسرية,0 دخل الرجال الستة البيت دون طرق أو استئذان وجلسوا في كوخ صغير (قطيه) في انتظار(الميرم ) فتينة ,. وهي لم تفرغ بعد من قراءة الأوراد والباقيات الصالحات وتبريكات الصالحين من آل البيت ومن تبعهم وسار على دربهم إلى يوم الدين0 دخلت عليهم بهدوء وحذر قائلة : فكي آدم من معك ؟ رد الفكي آدم : معي أحمداي , و شايب موسى والخ00 , تأكدت من الحضور ولا شك أنهم أهل الثقة ولم يكن أحد من خارج دائرة الخطة وقالت : سوف آتيكم بشاي ونتحدث في الأمر بإمعان " 0 الميرم فتينة تبلغ من العمر خمسون ربيعا , وهي أحد أحفاد أولاد عم سلطان (الداجو) في منطقة جبل أم كردوس في جنوب دار فور يقال أن جد العجوز فتينة كان بمثابة ولي العهد لسلطان (الداجو ) سلطان أم كردوس الأول , خرج في رحلة الصيد مع أبناء عمومته ولم يعد , قيل انه قتل أو مات بمرض فجائي في الرحلة ألا أن الميرم فتينه تقول أن جدها قتل على يد رجال السلطان بمكيدة من شقيق السلطان الذي كان يطمع في خلافة السلطان بدلاَ من أبن عمه جد الميرم فتينة , والسبب هو أن أخوال جد الميرم رجال أقوياء وأصحاب مال وسطوة وكرم , بتولي ابن أختهم عرش السلطنة يكون خطراَ علي مستقبل أخوة السلطان الذين لا يملك أخوالهم مثل هذه الصفات والإمكانيات , أو خوفاَ من أطماع أ خوال الوحيد في السيطرة على راس السلطة والمشورة من دونهم 0 رغم صلتها بعائلة السلطان (عائلة المالكة ) أبعدت من حوش (الميارم) أو الأميرات يرجع أبعادها أو طردها من حوش الميارم لأسباب عديدة وقديمة أنها رفضت الزواج من شقيق السلطان - أبو حسب الله أبو دربين أو الأمير حسب الله , وتزوجت واحد بقاري غريب من كردفان وسافر معها إلى ديار البدو في( بابنوسة ومجلد) لكنها رجعت بعد عامين , شاكية من حياة البدوية القاسية, ولم تنجح محاولات زوجها في إغرائها على البقاء معها في البادية ورفضت الأبقار التي قدمه لها زوجها والهدايا ورجعت إلى أهلها في أم كردوس, ولم يطلقها زوجها وهو يزورها في أم كردوس من وقت لآخر., والغريب في الأمر أن زوجها هو الذي حكى لها سر رواية موت جدها في الصيد 0 وتقول الرواية : عندما كان الأمير( حران قرض) جدها, في مائدة الغداء مع رجال السلطان دس له سم أفعى في ضلع الغزال الذي صاده الأمير حران نفسه ومات في الحال مسموماَ , وقال البقاري أن والده كان صديق لأحد أقرباء السلطان , أعتقد أنه شقيق السلطان وكانا يتبادلان الهدايا والزيارات 0 وفي عرسه الباذخ الذي أقيم في قصر السلطان كان حمدان الكلس والد البقاري من ضمن الضيوف الذين شرفوا المناسبة وفي المساء خلا الأمير العريس بصديقه الكلس , النديمه القديم في جلسة خاصة للشراب .فلت هذا السر من ثنايا حديث الأمير الثمل ونفرد به الكلس طوال حياته , وحكى لأبنه عندما أصر زواج من الميرم فتينة 0 عجوز فتينة امرأة داهية ذكية فائقة الذكاء , من أول نظرة تقرأ أفكار الناس ونواياهم , يقولون أنها – دائرة معارف سلطنة الداجو- وخبيرة تراثها من الأحاجي وقصص الماضي وتاريخ الملوك والسلاطين والقبائل والبطون رغم أنها – أميرة- سليلة ملوك وسلاطين الداجو إلا أنها مولعة وشغوفة بالتراث الشعبي وممارسة أعمال عامة الناس من غير ترفع أو أنفة ما أكسب حب الناس ومكانة في ثقة الجميع , وهي تستطيع اختراق كل الطبقات , وتتعرف على أسراهم بسهولة 0 عالمة في تفسير الأحلام , ترمي الودع(القواقع ) وتقرأ الكف و(ترمل) مثل الرجال أحياناً , خبيرة في رصد النجوم وحساب فصول السنة وأيام الخريف ووقت المطر , تميز ألامرأة الولود من ساقها والرجل العاقر من صوته , لديها شهرة واسعة في تفسير الأحلام , : قالت فتاة أنها رأت في المنام تزرع في الخريف ولا تحصد" قالت لها مفسراَ: سوف تتزوجين برجل ثري وعاقر (عقيم) ولا يلد عديم الذرية 0 لم تنجب الميرم فتينة في حياتها , وتقول أنها ( طباها ) أبوحسب الله أبو دربين هي الوحيدة التي رفضت الزواج منه , وهو رجل مزواج تزوج تسع نساء ولم يتجاوز الأربعين من عمره , وهددها يوم رفضت الزواج منه وقال لها : ( لو ما خليت وحيدة أنا ما أسمي أبو ودربين ! ) أبوحسب الله أبو دربين درس( المسيك ) أو الخلوة في منطقة جبل مرة في خلاوي الفور لديه أصدقاء في جبل مرة و يتردد عليهم من وقت لآخر يحب الحجاب ويشرب( المحاي)بكثرة , رجل غريب الأطوار وكثير الخصوم وخاصة في وسط الأمراء وأخوالهم , ويعتبر الساعد الأيمن للسلطان والمسئول عن كل الدسائس والمؤامرات في قصر السلطان , الثعلب الماكر والمخطط الناجح في شئون السلطنة الداخلية . لديه فدرة فائقة في تخلص من خصومه من دون ضجيج أو اضطراب قليل الكلام وكثير الحركة, يحب مجالسة النساء , هو الذي سبب في طرد الميرم فتينة من حوش الميارم . وحصل ذلك عندما كان السلطان خارج البلاد في رحلة الحج الى الحجاز وفي ثاني أيام عيد الأضحى ضبط رجل غريب وهو خارج من حوش الميارم بعيد الفجر – والذي لا يسمح لعامة الناس الدخول والتجول فيه إلا بأذن من أحد أفراد العائلة المالكة- وقال أنه ضيف لميرم فتينة , تعرف عليها العام الماضي في مناسبة ختان أنجال الميرم ايوبة أخت السلطان 0 تفشى الخبر في الحوش , وجاء السلطان من السفر وتم التحقق من صحة الخبر فلذا اضطرت الميرم فتينة ترك الحوش , وقيل فيما بعد أن الرجل الغريب هو صديق أبو دربين جاء بدعوة منه لتنفيذ خطة ليس له معرفة ولا علاقة بميرم فتينة البتة ذلك من كيد "أبو دربين , " * * * * الفكي آدم ود حسين هو في الأصل من قبيلة الفور من أم (داجاوية ) ورث والده مفتي ديار( الداجو ) وصديق الحميم لسلطان داجو الأول 0 خطيب مسجد السلطان ولكن ليس على علاقة حميمة مع السلطان لأنه لا يذكر السلطان في خطب الجمعة ولا يثني عليه مع الصحابة والصالحين , وعندما سئل عن السبب قال أن ذلك لا يجوز في خطبة الصلاة 0 رغم منافسة الغامضة بينه وبين الميرم فتينة في علم التأويل وتفسير الأحلام , ونقد الفكي آدم لممارسات فتينة في الرمل والودع إلا أنهما اضطرتا التعاون من أجل الخطة السرية بمنتهى الصراحة والإخلاص 0 وفي جلسة الفجر كان يدور الحديث حول الخطة0 قال أحمداي ود سبيل : لابدا من طريقة نتخلص منه رد الفكي آدم: قل لنا كيف ؟ أضاف شايب موسى : خلونا نفكر ثاني يوم يومين ! عجوز فتينة : الخطة جاهزة بس قولوا لنا كيف التنفيذ أحمداي: نحن مستعدون , قولي لنا الخطة عجوز فتينة : هل تستطيع أن تأتينا بتيتل ( وعل) من الجبل شايب موسى : وعل تعملي بيهو شنو؟ عجوز فتينة: الخطة تعتمد عليه أحمداي : دايرينوا متين ؟ عجوز فتينة : تيتل سديس قوي , ويكون حي ومعافى أحمداي: تيتل حي ما بنقبض ! عجوز فتينة : تيتل حي ضروري , الخطة تعتمد عليه لذلك مطلوب تيتل فكروا في طريقة يمكن قنصه حياَ, وبعد ذلك نشرح الخطة خرج الرجال الستة من البيت وهم يتساءلون : ما دور التيتل في الموضوع لماذا تطلب الحيوان النادر مثل التيتل ؟ وماذا تريد عجوز فتينة أن تفعل به؟ أسئلة دارت في عقولهم وشغلت بالهم 0 كانت سلطنة (الداجو) سلطنة ذات نظام سياسي واجتماعي راقي ليست مجرد إدارة بدائية تحكمها الأساطير (والكجور ) وهرطقات المشعوذين , تربطها علاقات مع كل النظم والإدارات الأهلية آنذاك ولديها تبادل تجاري ومنافع مع كل من مشايخ البقارة في الشرق , يأتي منه اللبن والسمن والمصنوعات الجلدية مثل(المخالي والسروج ) ومن الجنوب الأبنوس ومن الغرب – مناطق الفور – الكتب والحجاب ومن الشمال الإبل والملابس القطنية والصوفية , كانت سلطنة مزدهرة وساد فيها الرخاء لوقت طويل , ولكن السلطان أصيب بعدوى الغرور وأعتقد أن كل ما في السلطنة من المجد والرفعة من صنع علمه وقوته فاٍستخف قومه واٍزدرى المخلصين من أتباعه والحدبين على مصلحة الراعي والرعية هاجر مجلسه الحكماء والعلماء وأهل العلم والفن والأدب , ألغى الشورى وقطع صلته بعامة الناس , وجعل من أسرة المالكة أسطورة أو هبة من السماء إلي شعب ( الداجو ) فأصبح مجلس السلطان محراب مقدس وأوامره واجبات لا مفر منه , وأثقل كاهل المواطن بضرورات السلطة والطاعة وأجبر الناس على التنازل عن أبسط حقوقهم في العيش بكرامة وشرف0 كانت كل أيامه أعياد ولياليه مناسبات , أوثق صلته بالمداحين والطبالين و(الحكامات) لا يسامح المخطئ ولا يجد له عذرا, أصبح فظاَ وغليظاَ , يجلد ويسجن وينفي لأتفه الأسباب ويبطش بالناس بطش الجبارين 0 * * * لا أحد يشك في أن تصرفات السلطان وجبروته وظلمه وراءه الشيطان ولكن رغم ذلك كان دور أبو حسب الله أبو دربين حاضراَ , وكيف لا صار هو الوحيد صاحب المشورة وحافظ أسرار السلطان في القصر وصار علاقة السلطان بعائلة الحاكمة فاترا وكثر حديث الليل وقل سمار السلطان 0 في يوم أغبر من أيام الصيف جاءت اٍمرأة إلى ميرم فتينة تريد تفسيرا لحلم رأته مراراَ وتكراراَ في منامها وهي حبلى , قالت أنها وضعت ذكرين (توأمين ) , أحدهما ركب مع السلطان جواد غريب صوب الجبل ولم يعد0 جاء تأويل الحلم في خاطر الميرم ولكن أسرته ليومه : وقالت لها لا تبالي هذه أضغاث أحلام لا تعني شيئا0 هذه السنة من أسوأ سنين في تأريخ أم كردوس , ضرب الجاف مناطق شاسعة من أراضي السلطنة بالإضافة إلى طوفان الجراد في وقت ( الدرت ) أفنى وأباد ما تبقى من محصول السنة فمات عدد كبير من سكان أم كردوس بحمى الصفراء والسل وأمراض المجاعة وسوء التغذية وأتجه الناس إلى الصعيد بحثاَ عن الماء والكلأ والغذاء , وضاق بالسلطان ذرعاَ فابتعث قافلة بصحبة الأمير حسب الله أبو دربين إلى أقصى الغرب - إلى مملكة ( كانم ) لجلب القوت, العيش (الدخن ) السمسم , الفول والخ00وبالفعل وصلت قافلة الأمير إلى(كانم ) وطافت أسواق المملكة الغنية بالمحاصيل , ورجعت القافلة بعد أن أزداد الكيل من الحبوب والمحاصيل 0 أنتظر السلطان عودة القافلة بفارق الصبر , والاستعدادات جارية لترتيب حفل استقبال كبير للأمير ,وحشر الخدم والعمال الى ربوع السلطنة لتبليغ الناس بقدومها, وبدعوة السلطان لحضور حفل الاستقبال الذي سوف يقام على شرف قدوم قافلة الأمير من ( كانم) , حضر الجموع من كل صوب لاستقبال قافلة الأمير ومكثوا أيام ولم تصل القافلة , وتم الأيام المعدودة واٍزداد سبعا ,زاد قلق السلطان ومن معه وبات يسأل بعضهم بعضاَ: ما الذي أخرها؟ ولم يجدوا سبباَ لتأخير ,والفترة كافية لوصول أبطأ قافلة لمسافة أطول من هذه الرحلة , الأبد هناك أمر ما أخر القافلة , ترقبوها وطال الانتظار وملوا أضطر السلطان إرسال بعثة استكشافية على طريق القافلة, وهي أخري لم تأتي بعد طول انتظار وترقب , والناس حيارى لا يعلمون شيئاَ عن القافلة والسلطان في قصره والناس حوله في وجوم واضطراب 0 أخيرا وبعد طول الانتظار وصلت البعثة ومعهم رجل من مملكة (كانم) يبدوا عليه الحزن وكآبة وتعب السفر , التقى بالبعثة صدفة في الطريق وقال أنه يحمل خطاب في غاية الأهمية إلى السلطان فتبعته البعثة وجاءوا إلى السلطان وهم لا يعلمون خبر الخطاب الذي صدر من ديوان الملكي في (كانم ) , تقدم الرجل من بين الجموع وسلم الخطاب للسلطان قائلاَ : هذا الخطاب من مولاي ملك كانم ألي فخامة السلطان ورد السلطان : شكرا, ومرحبا بك في أم كردوس ! لم يسأله عن القافلة , أمر الناس أن ينصرفوا ويتفرغوا لأعمالهم ويتركوا الضيف يأخذ قصداَ من الراحة 0 في المساء أجتمع السلطان مع الضيف في ديوان القصر بعد قراءته الخطاب مباشرة وظل السلطان في القصر حتى وقت متأخر من الليل فجاءت زوجته الكبرى تتحسس عن مضمون الخطاب وسبب اعتكافه في القصر, ردها حارس القصر حسب التعليمات لا يسمح دخول ديوان السلطان إلا بإذنه ورجعت قلقة مما يجري 0 أستيقظ الناس فجراَ على ضربات النحاس , دل 00 دلل00 دل00دلل ضربات تدل على إنذار أو خبر أليم ,تقاطر الناس بخطى متثاقلة إلى خلوة السلطان حيث قرأ القارئ الخطاب لناس هذا النصه : من ملك بلاد كانم إلي فخامة سلطان أم كردوس السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يؤسفنا نحن ملك بلاد - كانم - أن نبلغ سلطنة السلطان أم كردوس بما تعرض لها قافلتكم في طريق عودتها من حاضرة البلاد كانم إذ ضلت القافلة الطريق وسارت جنوبا خارج حدود بلادنا , هناك خرجت لها عصابة من رجال بيض (عرب ) معهم رجال زرق , وعندهم سيوف طلبوا من أمير حسب الله أبو دربين تسليم القافلة ,رفض الأمير الاستسلام وفاوضوه على تسليم الرجال ويتركوا له القافلة , ولم يقبل , ووقعت المعركة فأستهد الأمير وعدد من رجاله, أما الجرحى والأسرى أخذوا معهم , ونهبوا القافلة عن بكرة أبيها 0 باٍسم شعبا تقبلوا تعازينا , ونسأل الله أن يلهم السلطان البلاد وأهله الصبر وحسن العزاء اٍنا لله واٍنا إليه راجعون 0 وأرفق الخطاب بمذكرة , ينبه الملك بأن هناك عصابات تنشط في غرب البلاد , يعتقد أنها قدمت من بلاد العرب عبر البحار لصيد الناس وبيعهم في بلاد النصارى البعيدة , وتقول الأخبار الواردة من ملوك الغرب (غرب إفريقيا ) , أن النصارى يغرونهم على المساعدة في صيد الناس وخاصة الشباب , ويقولون أنهم يرحلون بهم عبر البحار إلى بلاد جميلة حيث يعيش الناس في مدن جميلة في رغد وسعادة 0 حيث النساء الجميلات والخمر المعتق في القصور مع الغواني 0 * * * فور إعلان استشهاد الأمير حسب الله أبو دربين ورفاقه , تجمع الناس وخاصة من عائلة السلطان وأصدقائهم وذويهم وأقاموا (كرامة ) للشهداء وفي المأتم بكت الميارم بكاءَ مراَ , وكانت مبرم (أيوبة) تولول بحرقة وتولول وراءها الخادمات , ودخل عليها الفكي آدم ود حسين منبهاَ أن الولولة لا تجوز وعليهن الاكتفاء بالدموع , وعندها ردت عليه قائلة: أنت السبب , أنت صاحب الفكرة من أصلها 00 لماذا لا تذهب أنت يا آدم ؟ في الحقيقة الفكي أدم ود حسين كان قد زار مملكة كانم في صباه مع أبيه هو الذي جاء بفكرة القافلة إلي بلاد كانم الغنية بخيراتها , فلذا سير السلطان القافلة إلى مملكة كانم لجلب القوت والغذاء وحصلت الكارثة 0 يا أمير البلاد أبوحسب الله خليتنا وين اليوم يا نمر الجبال أبو دربين خليتنا وين اليوم يا الله 00استغفر الله العظيم 00 سكتت الميرم ايوبه ومعها الخادمات بعد إلحاح شديد من السلطان في مساء اليوم السادس من أيام الكرامة خرجت الميرم فتينة ولم تعد حتى الصباح , جاء الكثير من المؤاسين وسألوا عنها ولم يجدوها في حوش الميارم , استنكرت الميارم خروجها قبل انتهاء مراسم العزاء , وهذا مخالف للعادات وتقاليد البلد , لابدا لعائلة السلطان البقاء في فراش الكرامة لتقبل العزاء لفترة لا يقل عن الأسبوع في الغالب , ولكن الميرم فتينة كانت لها ما يشغلها عن العزاء لوحظ إنها كثير التفكير وقليل البكاء , ولا تنام الليل . قلقة ومرتبكة * * * اجتمعت الميرم فتينة بالرجال الستة في المكان القديم ليلاَ , بعد تبادل الأخبار والمعلومات وتناول طعام العشاء , طرح كل واحد فكرته في الموضوع وقالوا هذه نتيجة تفكير ليالي وشهور طويلة بشأن الخطة ونأمل أن تنجح واحدة على أقل مما قدمنا , لكن العجوز فتينة لم تعلق على أي خطة من هذه الخطط التي قدمت لها ولم تبدئ أي اهتمام بها , سكتت مدة وردت قائلة : اسمعوا يا رجال : عندي لكم خطة , لكن مطلوب ( تيتل ) وعل , ائتوني بتيتل حي من الجبل ! أحمدي : لا أحد يستطيع صيد الوعل إلا آدم تورين! شايب موسى : أين هو ,الآن ؟ أحمداي : قالوا مسافر بيجي قريب ميرم فتينة : آدم ود حماد الواحد ده ؟ أحمداي : لا , ده واحد بقولو له آدم ود كنين أو آدم تورين الفكي أبكر : نجيب التيتل وين , ومتين ؟ ميرم فتينة : قبل العيد بيوم أحمداي : دايرين تذبحوا في العيد ولا شنو؟ ميرم فتينة : تعرف بعدين نعمل بيه شنو0 بدأت إشاعة بين عامة الناس , أن السلطان لا يركب الجواد مع الناس العاديين في زفة العيد , وبدأت حكامة ( أم جقر ) تغني وتمدح عائلة السلطان وتشيد بأمجادهم وخاصة بعد استشهاد الأمير أبو دربين في المعركة , 0لا أحد يعرف مصدر الإشاعة ولكن وصلت إلى مسامع السلطان , بدأ يفكر في البديل , في أي وضع يظهر أمام الناس في الزفة العيد الزفة السلطانية في أم كردوس هي مظاهرة استعراضية سنوية لرجال وشباب السلطنة , لإظهار القوة والمنعة , والولاء للسلطان والسلطنة , يتقدم السلطان الزفة ويليه الأمراء ومن ورائهم كبار رجال السلطنة والوزراء والعمد والشراتي وشيوخ القبائل والفرسان وكبار التجار والضيوف , وثم عامة الناس في مسيرة حتى ساحة الحاضرة (النقعة) حيث يلقي السلطان الكلمة , يحيط الناس فيها عن أخبار السلطنة والتعليمات الجديدة الخاصة بتنظيم أحوال الراعي والرعية في جميع نواحي الحياة , السياسية والاقتصادية والاجتماعية , ويقوم الفرسان باستعراض أمام السلطان , ويظهر الشباب مواهبهم الفروسية ومهاراتهم في استخدام السيف والرمح , وفي فن مراوغة الخصم وإسقاطه وتأتي الحكامات والفنانات , بمعلقات جديدة في فن المدح والثناء لسلطان والفرسان على السواء , يشترك في استعراض الزفة كل طبقات المجتمع في سلطنة أم كردوس * * * سلطان أم كردوس الحالي لم يكن يتمتع بذكاء مثل أبيه , ثم أنه صغير السن مازال يراوده مغامرات الشباب وعنفوانه , وفقد ذراعه الأيمن, حسب الله أبو دربين عزوف العلماء والشيوخ عن مجلس السلطان , جعل السلطان يتخبط خبط عشواء , أمتلك صغار القوم زمام الأمور في السلطنة ., أحاط نفسه بمجموعة من المبطلين والانتهازيين الذين لا يهمهم أمر الناس في شئ 0 بدأ السلطان يشعر بنوع من الهوس والبطر, يريد أن يكون متميزاَ بأي ثمن , طالما سمع عن كسرى وإيوانه وعن قيصر وسلطانه , وعن ملوك الشرق والغرب , كان لديه استعداد لأي مغامرة يخرجه من روتين طقوس السلطنة الموروثة إلى مصاف كبار ملوك العالم , ولكن كيف ؟ لم تكن ميرم فتينة موضع ثقة للأسرة المالكة منذ أن تركت حوش الميارم لا أحد يشاورها في أمر ذا أهمية خاصة بالأسرة , وهي تعلم ذلك , وبتالي تحرص كل الحرص أن لا تضع نفسها في موضع شك أو اتهام بأي حال وتقوم ( أم جقر) الحكامة دور الوسيط بينها والأسرة لأنها تتمتع بعلاقة جيدة مع جميع الميارم وفي نفس الوقت وهي الصديقة المخلصة لميرم فتينة التي تنقل الأخبار والأسرار لها بالتفصيل , هي التي أطلقت حكاية الجواد البري الذي لا أحد يستطيع ركوبه إلا سلطان أم كردوس , سليل الفرسان حصين الرحمن ., صاحب العز والكرم والإحسان .0 * * * كانت الميرم فتينة تراقب الوضع عن كثب لا تغيب عنها شارد ولا وارد قبيل العيد بأيام , وصل خبر سار إلى السلطان , جاء رجل وهو صديق قديم لسلطان وهمس في أذنه سراَ أفرج أسارير وجهه , وأومأ برأسه موافقاَ , ولم يطلع أحد بذلك حتى موعد المفاجأة , كان الجو العام مفعم بحب المغامرة والمخاطرة , وسبب تأثر الناس ولاسيما الشباب بالقصص وأساطير الأسلاف القدماء الأقوياء الذين قاموا بأشياء مثيرة وخارقة تحكى على نطاق واسع وصدقه كثير من جيل الشباب المتشوق للمغامرة وعزر هذا الشعور الطريقة التي استشهد بها الأمير حسب الله أبو دربين وتقول الحكاية : وهي مجهول المصدر , أن الأمير حسب الله كان يقطع رؤوس الرجال كما يقطع الحاصد الزرع( القناديل ) بشجاعة وثبات يفوق التصور, فالحجاب الذي كتبه له صديقه( الفوراوي ) الفكي تيراب ود سوميت في شهرالرمضان الماضي فعل فعلته, لا الرمح يطعنه ولا السيف يقطعه , فلذلك هدفوه بسهم خشبي مسموم فستشهد واقفاَ َ والسيف في قبضته , ولما جاء رجال مملكة كانم لدفنه في موقع المعركة أخفق أشد الرجال قوة من اقتلاع السيف من قبضته وهو ميت فلذلك دفنوه والسيف في قبضته هكذا روي عن الذين حضروا الدفن بعد المعركة بيوم 0 كل ما ترددت الميرم فتينة في مضي قدماَ في خطتها , تأتيها دفعة قوية وشعور قوي بالنجاح فتعود وتمضي في خطتها , ويرجع ذلك لأسباب عديدة أهمها رؤية حامل التوأمين التي رأت في منامها مراراَ وتكراراَ خروج أحد توأميها مع السلطان صوب الجبل ولم يعد , وأولت ذلك أن : فراق التوأمين بمثابة فراق السلطان سلطنته وملكه , أما خروجه بلا عودة لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل وكذلك قالت نتيجة (الودع ) و(الرمل) , عندما تطابق نتيجة الودع والرمل مع الرؤية سوف تكون الواقعة حتمية بنسبة لها 0 * * * كانت الدهشة والإعجاب باين في وجوه الرجال الستة , رغم الخوف والحذر وصعوبة تنفيذ الخطة وافقوا بالإجماع بعد أن خلصوا نجياَ وفكروا ملياَ في تفاصيلها , وانصرفوا إلي أعمالهم حتى الموعد المحدد , وتواعدوا على كتمان الخطة حتى إلى أقرب الناس إليهم , وكان من عادة سلاطين الداجو في حاضرة أم كردوس يتخذون من مناسبة العيد مظاهرة استعراضية يظهر فيها السلطان بأبهى وأقوى مظهر , ويتقدم الزفة وراءه الحاشية إلى صلاة العيد , وبعد الصلاة مباشرة يتدافع الناس إلى تهنئة السلطان بمناسبة العيد ويرجون له الصحة والعافية وطول البقاء في السلطة ويسألون الله أن يجنب السلطنة الفتن والحروب والمحن والمصائب 0 ويقدم السلطان مأدبة الفطور السلطاني الفاخر للضيوف والزوار بعد الصلاة في ديوان السلطاني , فيحضره , كبار رجال السلطنة , والفرسان والشعراء ويتقاطر الناس إلى مشاهدة الرقصة السلطانية على أنغام طبل النحاس وهذه الرقصة خاصة بالميارم (الأميرات ) وتؤدى في حضرة السلطان والأمراء وفي المساء يذهب الناس إلى ( النقعة )أو الميدان حيث تقام الرقصات الشعبية لجميع قبائل السلطنة , وفي مناسبة العيد يتعرف الناس على فرسان الجدد , وصبايا الجميلات , وأغاني جديدة من المغنيات والحكامات , وعلى ملكة جمال الموسم دون اختيار أو إعلان رسمي , جرت العادة على إدراك الناس ذلك تلقائياَ من ملاحظة مهتمين بالأمر ومن تداول وتناول أحاديث العامة بالإعجاب 0 لا أحد يشك في أن مناسبة العيد ( الأضحى –أو الفطر ) هي المناسبة الكبرى والأكثر استئثارا َلأهالي أم كردوس بالإضافة إلى أهميته الدينية والاجتماعية يجد الناس فيها كثير من العادات والتقاليد الموروثة والتي تعطي الحياة نكهة مخملية خاصة , قد لا تسنح لهم الفرصة إلا في العيد لكثرة مشاغل الحياة اليومية 0 * * * اختيار الميرم فتينة مناسبة العيد للعملية كانت موفقة إلى حد بعيد , لأسباب كثيرة ومنها اهتمام الناس بما يقدمه السلطان للناس من هدايا والإكراميات السنوية للفرسان وأعيان القبائل والعمد , بهذا يكون السلطان موضوع اهتمام الأكبر للناس كافة 0 في ذات ليلة , كثير الغيوم , كثيف الظلام , جاء آدم ود كنين إلى الميرم فتينة , يحمل بشرى سارة , جاءت اللحظة التي ترقبتها طويلاَ , وفي الحال تذكرت رؤية أم التوأمين التي تقول أن أحد ولديها ركب مع السلطان جواد غريب صوب الجبل ولم يعد 00 لا ريب أن الجواد الغريب هو( التيتل ) أيل أفريقي – الذي أحضره الصياد الماهر آدم ودكنين من شعاب الجبل , كان آدم ودكنين يخرج صباحاَ إلى الوادي , ولا يأتي إلا في جنح الليل دون مرافقة أحد , 0نظرت الميرم فتينة إلى ( التيتل ) المقيد في حوش ود كنين , وقالت مبتسماَ , دمك يا حران قرض ما يروح هدر, , هذا هو الجواد الغريب جواد السلطان في زفة العيد يا رجال!! 00 السلطان يركب التيتل ده ؟, نعم يا فكي موسى يركب هذا الجواد وينطلق به صوب جبل أم كردوس ,ولن يعود 0 قبيل موعد أمرت الميرم فتينة أن يتوارى الرجال الستة عن الأنظار لإبعاد الشبه عن العملية , وتخيف التوتر الذي اعترى بعضهم من عواقب الفشل أو كشف نواياهم وطمأنتهم الميرم , بأن لا يسأل أحد عن مدبر الخطة بعد نجاحها أبداَ , بالعكس سوف يذكركم الناس بالحسنى إذا علموا ذلك , أنكم تقومون بعمل جليل من أجل تخليص الناس من هذا الظالم الجائر الذي يتمنون موته اليوم قبل الغد ولكنهم مراءون 0 * * * في فجر العيد كانت الاستعدادات قد اكتملت وكل الترتيبات الخاصة بالخطة قد جهزت , وبدأ أول فصول الحكاية.. ,جيء بالوعل إلى القصر قبيل الفجر للمعاينة عندما رأى السلطان الوعل, غمره السرور والبهجة,وافق على الفور خوض المغامرة طال ما رواته البطولات والمغامرات , وسمع عن حكايات خارقة عبر التاريخ أبطالها الملوك والسلاطين , وأكثر ما نال إعجابه هيئة وقوام الوعل الجميل الممتلئ والمفعم بالحيوية , وقال في سره , أكيد هذا الوعل يدهش الناس فسوف يسجل التاريخ هذا الحدث العظيم , سلطان أم كردوس(ركيب الوعل) , لا يستطيع أي فارس مهما طغى فروسيته أن يجرؤ على ذلك إلا سلطان أم كردوس أسطورة عصره الفريد 0 الوعل وحش بري من الاٍيليات أو أيل معروف محلياَ بتيتل , قوي البنية له قرون طويلة تمتد أفقية محاذيا الجسم حتى مقدمة ظهره , 0 ركوب حيوان متوحش مثل الوعل أو الأيل ليس بالأمر السهل , يجب تجهيز متطلبات بالكامل , السرج والأحزمة والحبال واللجام والسياط , امتطى السلطان الشاب على ظهر الوعل الموطد بالحبال , وقام الحراس بربط السلطان بالسرج التيتل بالحبال والأحزمة من جلد النيء لضمان ثبوته ولا يدع مجالاَ للسقوط من ظهره أبدا0 الناس في خارج القصر في انتظار السلطان جاءوا من أرياف السلطنة ليشاهدوا المفاجأة , كانت الميرم في مقدمة الصوف المستقبلين في خارج القصر , تراقب الوضع بقلق , الوقت يمر سريعاَ , تراودها الهواجس من وقت لآخر مصيرها ومصير الرجال الستة إذا غير السلطان رأيه في ساعة الصفر , وفشل الخطة وعرف الناس من هو وراء هذه الخطة الماكرة لكن في نفس الوقت, من الذي يستطيع أن يقنع السلطان من تلافي ركوب المخاطرة بعد موت أبو حسب الله أبودربين ,(الثعلب الماكر) لا أحد يستطيع ذلك , والميرم فتينة تعلم ذلك جيداَ ,أنه لا أحد في حاضرة أم كردوس بإمكانه فك رموز هذه الحبكة المحكمة , رغم ذلك الموقف حرج والقلق يزاد لا أحد يدري مجرى الأقدار 0 هناك حركة دائبة أمام القصر , الحراس والخفر يدخلون ويخرجون , بعضهم لا يدري ما يدور داخل القصر , اٍزداد صفوف المستقبلين كثافة , وبدأ رجال السلطان في تنظيم الحضور على طريقة الزفة ريثما يأتي السلطان على جواده البري , على الممر الخاص بين الصفوف المصطفين حتى (النقعة ) الساحة حيث يتوقف عندها حسب ترتيبات المناسبة , 0 على ضربات النحاس السلطاني فتح الباب الرئيسي للقصر , تيتل 00تيتل00 تيتل يا للغرابة , اختلطت أصوات الزغاريد والقهقهات مع الهتافات والصياح00 , مر الجواد البري –التيتل – بسرعة اكبر من المتوقع وتبعه الفرسان إلى النقعة , لكن لم يتوقف السلطان كالعادة , انطلق به التيتل بقوة صوب الجبل ( جبل أم كردوس) حاول السلطان شد اللجام التيتل لتوقيفه ولكن القرون !00 قرونه الطويلة وقفت عائقاَ وبل خازوقاَ على صدره وعنقه , كلما شد اللجام اشتد وخز القرون على صدره وعنقه , فيرخي اللجام وينطلق التيتل , وحركة الفرسان من خلفه زاد الطين بلة , ووقع أقدام الخيل خلفه زاد جفول التيتل وركض به بأقصى سرعة وتبعه الفرسان , حتى شعاب الجبل ومن ثم إلى الأحراش حيث اختفى عن الأنظار رويداَ رويدا , فتوقف الركب عن الملاحقة , ورجعوا إلى النقعة انتظروا عبثاَ عودته , عيونهم ترحل صوب الجبل وترتد خائبة ولم يعد السلطان ,0 تابع الناس أثر التيتل عثروا على أشلاء السلطان على طول خط سير التيتل , هنا سقط رأسه00 , وهناك سقط ذراعه 00وهنا00 صدقت نبوة أم التوأمين , " ركب السلطان جواد غريب وانطلق به صوب الجبل ولم يعد 0 حامد جربو/ السعودية هذه الرواية مقتبسة من أسطورة (سلطان أم كردوس ) المشهورة التعليقات والملاحظات على عنوان البريد الإلكتروني 0 hmjarbo@hotmail.com |