Jarbo.com
عمرك كبير يا علي..
(قصة قصيرة )
أكثر ما يلفت الانتباه , طوله الفارع وصوته الأجش ومنكبيه
العريضتين . وقف علي ابن ثمانية عشر ربيعاَ أمام لجنة
وهو لتوه تلقى التهاني والتبريكات بالنجاح
كان الأول على مستوى المنطقة في الشهادة الابتدائية
أحرز نسبة مئوية عالية فاق جميع المستويات القياسية في
تاريخ المنطقة , فضلاَ عن سلوكه الحسن وخلقه الكريم وطموحه
العالي , كان مناه أن يكون طبيباَ أو مهندساَ أو صحفيا شهيراَ 0
لا يدري علي ما خبئه له القدر يومذاك , نهض من نومه فجراَ
ولملم كل ما طلبته لجنة القبول من المستندات , الشهادات ,
نتيجة الامتحانات والخ00 طوى أوراقه برفق بقصاصة
جريدة , وأسرع الخطى متأبطاَ أوراقه حيث مكتب القبول
لا يرافقه أحد , والده, المزارع الفقير مازال يجوب الحقول
والبراري بعيدأَ عن الحضر ,بحثاَ عن قوت اليوم , وأمه
الأمية تلح وتحث أبنها على ترك الدراسة – هذه الدوامة
التي لا آخر لها - التي صرفت أبنها عن ضروريات الحياة
مثل العيش في وسط أهل والزواج والاهتمام بالزراعة حسب
رأيها , 0 بعد وقت وجيز وجد علي نفسه في داخل مكتب كبير
أمامه رجل أجعد الشعر , أسمر اللون , ثاقب القسمات , يميل
إلى البدانة قليلاَ , وجليسان عن اليمن وعن اليسار, يتوسطهم
طاولة مستديرة من خشب القمبيل الجميل , 0
وقف علي أمام اللجنة مطمئناً , يعلو وجهه الحبور, وعينان براقتان0
" عمرك كبير يا علي" , قال رئيس اللجنة وهو يقلب ملف الطالب
مركزاَ النظر في شهادة تقدير العمر (التسنين) وأضاف قائلاَ لدينا
نظم ولوائح في وزارة التربية والتعليم تمنع قبول الطلاب الذين
بلغوا الثامنة عشر من العمر للمرحلة المتوسطة , ! كم تمنيت أن يكون عمرك
أقل من هذا قليلا, نظراَ لمستواك الرفيع!! ,أومأ مساعده الأيمن برأسه موافقاَ ومؤيدَاَ
وكذا المساعد الأيسر .
صدم بيان رئيس اللجنة القبول الحاضرين , ووقع كالصاعقة على
علي كاد أن يرديه أرضاَ , أرتجف قدماه وشعشعت عيناه , وخرج
يجرجر خطاه مكباَ على وجهه عبوساَ حزيناَ كئيباَ , .
أخذ ركناَ قصياَ وأجهش بالبكاء وبكى معه آماله ومستقبله وأصدقاؤه
الذين عرفوه عن قرب
إنها اللوائح ونظم البشرية الصماء التي لا تعرف الرحمة ولا تجد لمن
يخالفها عذراَ ,أين المنطق والموضوعية في هذه اللائحة , بل أين
فروق الزمان والمكان, ألم تكن المعرفة ملازمة الإنسان من المهد إلى
اللحد؟ .
رجع علي إلى أهله يأسان أسفاً , تحطمت أمانيه في صخرة اللوائح
المدرسية وضاعت آماله سدىً0 وفي طريقه مر بمدرسته العريقة
التي تعلم على أدراجها رسم الحروف والأبجدية الكلمة ,قرأ وكتب
بالقلم , ويتذكر ويعيد شريط الذكريات لحظة بلحظة , منذ أول
يوم له في المدرسة , المدرسين ,الطلاب , العمال , الفصول , الأشجار
هذه بمثابة النظرة الأخيرة للحياة المدرسية .