Jarbo.com


أصيلة..

(قصة قصيرة )

"أعطينا جبنة صغيرة يا حاجة "..تأسف الرجل لقوله وردد في سره

يا ليتني ما قلت , إنها ليست بامرأة مسنة , ولم تبلغ  الثلاثين بعد !

انتهز فرصة انشغالها في تحضير القهوة ( الجبنة) ودقق النظر في

أسارير وجهها النحيل وعينيها الغارتين الصفريتين ,تظللهما  رموش

يبسها شعاع الشمس وعبث الرياح ,  عبق أنوثة تبخرت في دريب

الريح مع ضنك الزمان القاسي , ثوبها (بولستر) الشعبي البالي

يستر ما تبقى من نضارة الشباب في الزمان الأول .

لا شك أنها مرت بظروف صعبة ومليئة بالمتاعب, تبدوا أكبر من

سنها بكثير .

صب الرجل فنجان  الأول  واحتسى سريعاَ  , وصب الثاني  ورشف

منه قليلاَ ووضعه  برفق على( التربيزة ) الصغيرة التي أمامه, وبدأ كأنه

يفكر في أمر ما.. أصابع يده تعبث بشواربه الطويلة بحركة غير إرادية

ودخل في صمت المكان الذي لا يقاطعه إلا خشخشة حصير الركوبة

أو وقع أقدام المارة من وقت لآخر , . ما أن رشف الفنجان الثاني

قاطع صوت صمت المكان : ازيك أصيلة ..كويسة؟" ردت ,:" أهلاَ

..كويسة" ! , وين كنت مسجلة غياب ؟  ردت أصيلة: كنت في البلد ,أم بادر,

فجأة ألتفت الرجل إليها باستغراب قائلاَ :"أم بادر!" قبل ثلاث سنوات كنت هناك

عملت في التدريس بالمرحلة الثانوية في مدرسة البنات , وعرفت الكثير

عن أهل أم بادر ياحيلالهم ",- أم بادر هذه البلدة البعيدة في صحراء كردفان-

بمناسبة أم بادر أعاد الرجل شريط الذكريات , وبدأ يتصفح في أيامه

ويعيد الجرة  من معدة الزمان وملامح المكان شيئا فشيئا , وقال في نفسه

هذا الوجه ليس غريباَ علي , أكيد لاقيته مرة في مكان ما .. نعم  هي !

أصيلة بنت أرباب , الطالبة الشاطرة التي درستها الرياضيات في أم بادر

لكن من جاء بها إلى هنا؟ , ماذا حصل لها ؟ و...

تشجع الرجل وسألها: أنت أصيلة أرباب ,مش كده ؟, قالت نعم أنا أصيلة

بنت أرباب يا أستاذ إبراهيم !! . عرفتيني يا أصيلة ؟ تبعاَ يا أستاذ, في حد 

ينسى أستاذ إبراهيم !  .

جلست أصيلة للشهادة السودانية وحصلت على نسبة تؤهلها  دخول الجامعة

كلية الطب , كانت ومازالت هذه هي أمنيتها في الحياة , سهرت لها الليالي

وآنست لها الأماني . ولكن أبيها الشيخ أرباب له رأي آخر , عندما سمع

خبر نجاح بنتها الباهر , قال: "ما عندنا بنات يقرن مع الرجال في المدن ,

..دحين بنات البندر طليقات زي الصيد في الخلاء , من راعيهن "؟

لم تنجح  توسلات أصيلة ولا محاولات مدير المدرسة للعدول عن  قراره

وفشلت محاولة صديقتها (ٍأحلام ), المترجمة في المنظمة الأجنبية  في

الهروب معها إلى البندر حيث الجامعة . عندما علم أرباب الحكاية

أعلن على الفور زواج البنت من ابن عمها حماد  في ضاحية أم بادر

ومن فوره دفع  خمسين ناقة مهراَ لها , وأقام احتفالاَ باذخاّ , صار الحديث

النساء في البلدة , ورحل معها إلى مضارب البدو في صحراء أم بادر.

ضرب الجفاف الديار وغار الماء وجف النبات وهلك الماشية , وتشرد الناس

وعم الشتات , انتهى بهم إلي أعتاب المدن وهوامش الحضر , أما أصيلة

ساقها القدر الذي لا مفر منه إلى هذه الركوبة الصغيرة في  سوق الشمس

آه من ظلم الناس.. وآه من جور الطبيعة .

حامد جربو / السعودية