|
Jarbo.com |
|
|
دارفور : متاهة القرارات الأممية منذ اندلاع الثورة في دارفور عام 2003م أصدرت المنظمة الدولية حزمةمن القرارات , وتحت الفصل السابع , المهددة للسلم والأمن الدوليين بحق النظام في الخرطوم , المتهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاك سافر لحقوق الإنسان , لحد قتل الأبرياء واغتصاب النساء وحرق القرى وتدمير الزرع وتجفيف الآبار وتهجير القسري للقاطنين , وكان آخرها القرار1706 الداعي إلى نشر قوات دولية قوامها 22500فرد في إقليم دارفور المضطرب بقيادة الأمم المتحدة , لحماية المدنيين ومراقبة تطبيق اتفاقية ابوجا التي يرفضها أهل دارفور , اتفق الجميع عدا النظام في الخرطوم على أن وضع في دارفور هو الأسوأ والأفظع في العالم اليوم , وأن الوضع يتطلب تحركاَ سريعاَ لإنقاذ ما تبقى من الأرواح من الإبادة الجماعية التي تمارسها الحكومة في الخرطوم بحق المدنيين الأبرياء في دارفور, مع ذلك لم يتحسن الوضع في دارفور رغم الجهود المبذولة من قبل المجتمع الدولي , استمر الحال وبل تحول إلى الأسوأ , ازدادت وتيرة الهجمات فطالت جنود الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإنسانية , وارتفع عدد النازحين إلى ضعف . هددت المنظمة الدولية الحكومة بعقوبات وعواقب وخيمة إذا لم تستجيب وتنصاع للقرارات الدولية وفي مقدمتها نشر قوات دولية تابعة للأمم المتحدة , والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والتفاوض مع رافضي ابوجا من دون شرط. كانت ومازالت ردود الحكومة على القرارات الأممية بشأن دارفور على نمط واحد, يتسم بالرفض الصارم والتحدي وبعبارات قوية وقاطعة , مثل: - القوات الدولية هي قوات احتلال تحت غطاء الأمم المتحدة – الحكومة ترفض نشر أي قوة دولية في دارفور والخ.. قد يتساءل المرء عن مغزى تحدى الحكومة لقرارات الأممية بهذه الجرأة !! كأنما هناك شئ يتم في الخفاء , هل أدركت الحكومة عدم جدوى القرارات الأممية في ظل تعاونها المخلص مع استخبارات الأمريكية (C. I. A ) في ما يسمى بمكافحة الإرهاب ؟ مع أن السودان من ضمن المصنف الأمريكي , القائمة السوداء ( إيران - كوريا سوريا - السودان )رغم ذلك له تعاون أمني واستخباري على مستوى رفيع مع الإدارة الأمريكية , عندما سئل مسؤول أمريكي رفيع عن مستقبل النظام في الخرطوم مع هذه القرارات -( القرارات الإدانة الصادرة من المنظمة الدولية ضد النظام ) , أجاب: "لا تسقط النظام ولكن تضعفه!!!" , لا شك أن هناك أيادي خفية تمسك عماد البيت من الانهيار, . تأتي قضية دارفور في سياق القضايا المستغلة (بفتح التاء والغين ) والمستخدمة لأغراض سياسية ودعائية لحكومات بعض الدول الغربية , كما لو أنها قضية مستعصية ولم توجد لها حلاً . على غرار قضية فلسطين أو سياسية التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا في القرن الماضي, والملاحظ أن القضية دخلت بصورة دراماتيكية في برنامج سياسي وانتخابي لدول وحكومات وأحزاب سياسية لكثير من البلدان التي لها اهتمام بقضية دارفور لجذب انتباه الرأي العام وكسب ود الجمهور واستمالة الناخبين , يقول جون كيري مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة في ولايات المتحدة " لماذا لا نقوم بإنزال كتيبة مظلات في الخرطوم وإرغام الحكومة السودانية الانصياع لقرارات الدولية", ولا يخفى على الناس الزيارات التي يقوم بها مسؤولون ورؤساء لحكومات بلدان مرموقة لها مكانتها العالمية والسياسية من وقت لآخر إلى إقليم دارفور, والتقاط الصور مع أطفال النازحين , معبرين عن أسفهم وعميق حزنهم مما لحق بهم من دمار وتشرد . إلى متى تظل قضية دارفور مادة إعلامية دسمة للحكومات والقنوات ؟ هل قضية دارفور مشروع للمساومات والمقايضات لوقت لم يحن بعد ؟ رهان أبناء دارفور على المنظمة الدولية بصورة عامة وعلى القوى الغربية بوجه خاص على نمط الذي ألفناه طيلة سنوات الماضية لا يخلو من المخاطرة , هناك قضايا إنسانية عاجلة في شتى أنحاء العالم سبقت قضية دارفور , وخرجت من دائرة الأضواء إلى أرشيف التاريخ دون أن تجد لها حلاَ أو معيناَ أو ناصرا , ليس لعناء في الأمر فقط لأن الكبار تخلوا عنها لمصالح خاصة بهم أو لفرص نادرة جاءت صدفة كانت تاريخية لا تكرر يجب استغلالها بأي ثمن , وذاكرة التاريخ تحتفظ بكثير المثير قد لا يتسع المجال لصردها. شهد 1991م أكبر قضايا رشاوى في التاريخ من أجل حرب الخليج ( تحرير الكويت ) مقايضات ومساومات فاضحة , تمت تصفية قضايا حقوق الإنسان وألغيت الديون , أبعدت شركات ,وزيحت عن مصادر أرزاقها على نطاق شاسع وجيء بأخرى , وهوجمت الدول , ومن نتائجها – أوسلو اليتيمة – التي أفرخت دولتين هلاميتين تعيشان جنباَ إلى جنب بتاريخ مستقبل وجغرافيا الماضي في أرض فلسطين . أما ما بعد 11سمبتمبر حدث ولا حرج , قفز العالم إلى المجهول وراء الولايات المتحدة ترك وراءه ارث حضاري واٍنساني كان معيناَ ومسانداَ له في كثير من القضايا , وانفرد كل قوي بفريسته , ومن ضحاياه الشيشان وأفغانستان وكشمير , هاجمت روسيا جمهورية شيشان الإسلامية , كانت حملة عسكرية واسعة النطاق ودكت مدينة (غورسني) العاصمة دكا دكاً وشردت أهالي المدينة في صحراء الصقيع جماعات وأفرادا, كما دارفور تماماً , وارتفعت أصوات الإدانة وعمت أنحاء المعمورة , وهرعت منظمات الإنسانية والحقوقية إلى حيت النازحين وعكست هول المأساة , ولكن القضية تمت مقايضتها في تسويات الكبار بعد 11سبتمبر ) إذا صح التعبير . في الصين , دهست الدبابات الحزب الشيوعي الصيني المحتجين من طلاب الجماعات في ميدان عام على مرأى ومسمع من العالم وأمام كمرات التصوير , مزقت الدبابات أجسام الشباب اٍرباً إربا , ارتفعت أصوات الإدانة والشجب من المنظمات الإنسانية والحقوقية , ودخلت القضية في المعمعة 11سبتمبر وخرجت منها الصين مثل الشعرة من العجين كما يقولون , . لا شك إن قضية دارفور لفتت أنظار العالم وعاش العالم معها , كما رأينا ورأى الجميع , ولكن بقاء القضية في هذه الأجواء الصافية قد لا تدوم , ليس هناك ضمانات من تخطى القضية إلى ماء العكر حيت يكثر الصيد , - دوام الحال من المحال- هذه هي المخاطرة التي سبق الإشارة إليها في الفقرة أعلاه , السياسة هي فن الممكن , أو إن شئت سميها فن حبكة الذرائع , ليس هناك عواطف دائمة ولا أصدقاء دائمين , ولا مبادئ أبدية كما ترى . فقط مصالح دائمة , صديق اليوم عدو الغد المحتمل , وعدو اليوم صديق الغد المحتمل أيضا , ونظرة البعض إلى القضايا الإنسانية والأخلاقية نسبية ومتباينة بالمقارنة مع مصالحهم وظروفهم وأوضاعهم , هنا لي وقفة مع , قناة الجريرة المشهورة في برنامجها عن حرب المخدرات في أفغانستان , سأل مراسل القناة رجل أفغاني يعمل في زراعة الخشخاش الذي يصنع منها المخدرات , وكان الحوار كالأتي : المراسل : هل تدري الدمار الذي يسببه عملك كزارع خشخاش للشباب في أوروبا ؟ الأفغاني : مبتسماً - لا يهمني ذلك كثيراً المراسل : الخشخاش تصنع منه المخدرات وتهرب إلى أوروبا ويموت هناك الآلاف في السنة ؟ الأفغاني : أطفالنا وشبابنا يموت ايضاً وبالآلاف في السنة من جراء القنابل التي يمطروننا بها !! نحن لم نرغم أحد على تناول المخدرات , ولكنهم يمطروننا رغماً انفنا . المراسل : هل تستمر في زراعة الخشخاش ؟ الأفغاني : لو توقفنا عن زراعته , يموت أطفالنا جوعاً , ولا أحد يطعمنا ويهتم بنا . انتهى الحوار مع الأفغاني , لو كان هذا الحوار مع بريطاني أو أسترالي كان الرد مختلفا هذا هو التباين في تقييم المبادئ الأخلاقية المذكور أعلاه في ظروف وأوضاع المعقدة . إن كنا نتحدث عن مصالح الكبار في حروب وأزمات الصغار , فقضية دارفور من ضمن أزمات المستفادة منها من بعد (remote) , الصين مثلاَ المستفيد الأول من استغلال بترول السودان وشركاتها حازت وانفردت بنصيب الأسد باستثمارات مريحة في السودان في مجال الطاقة وغيرها ومن مصلحتها بقاء قضية دارفور معلقة , تبعد عن شركاتها حمى المنافسة على الأقل في الوقت الراهن إما روسيا التي تعتبر السودان من ضمن الأسواق الرائجة للأسلحة الروسية , بعد سؤ تفاهم الذي اعترى علاقات السودان مع الدول الغربية , ترى تناسباَ طردياَ بين صفقات الأسلحة مع السودان وتصاعد مشكلة دارفور , استمرار الحروب والأزمات تنعش تجارة الأسلحة , فلذا الحديث عن حظر السلاح والمعدات العسكرية على السودان من قبل المنظمة الدولية لا يسعد الشركات الروسية المنتجة للأسلحة . إما الولايات المتحدة الأمريكية التي جعلت من قضية دارفور كرت ضغط لحكومة الخرطوم , وأرغمتها على التعاون معها في مشروع مكافحة الإرهاب وتتبع ملفات التنظيمات الإسلامية التي كانت تتخذ من عاصمة السودانية الخرطوم مقراً لها في مطلع التسعينيات , هي الأخرى من مصلحتها بقاء قضية دار |