Jarbo.com


المنظومة العربية : سقطت أم آيلة للسقوط   

 

 لم يسبق لي أن كتبتُ في قضايا المنظومة العربية , لأنها واضحة ومعتادة لا تحتاج  إلى تحليل أو تأويل  , هنا يحضرني بحدث في الخرطوم في الثمانينيات القرن الماضي , كان رجل يوزع  منشورات –أوراق فارغة بيضاء – لا كتابة عليها, سأله أحدهم " هذه ورقة بيضاء فارغة "؟  رد  عليه بغضب " الحال بين لا يحتاج إلى كتابة ! أفهموا يا ناس !!  ": الحال أشبه بوضع العالم العربي الآن لا يحتاج إلى تعليق الحال بائس واضح , .

في كثير من البلدان العربية الحديث في الشأن العام أو النقاش في موضوع فكري أو مجرد اقتراح في مشروع استراتيجي يتعلق بمستقبل البلاد والعباد يعتبر حديث في السياسة أو فلسفة فارغة أو إثارة فتن يجب محاسبة صاحب الرأي لأنه يعمل ضد توجه الأمة وسياسة الدولة وبالتالي خطر على الدولة ومستقبلها يجب أن ينال العقوبة رادعة لكي تكون عظة وعبرة لأمثاله , وبصورة عامة الحديث في شأن الدولة  يعتبر من المحرمات واجب على الدولة محاسبة كل من يجرؤ على ذلك حساباَ عسيرا, وعبر عنه الشاعر الراحل  نزار قباني :

لا ترفع الصوت فأنت آمن

لا تناقش القضية فأنت آمن

كن بلا لون ولا طعم ولا رائحة فأنت آمن

اكتب الطقس وعن حبوب فياغرا فأنت آمن  ..

هذا هو الوضع العربي الراهن , كن بلا لون ولا طعم ولا رائحة ولا فكر.. وتكون رائعاَ إذا كنت تجيد فن التطبيل وبروتوكولات الانحناء , رغم ذلك

هنالك أصوات, ترتفع من وقت لآخر ترفض الوضع الماثل , وانتلجنسيا عربية ثائرة ضد الظلامية تؤكد أن ثورة كامنة في نفوس الشباب سوف تنفجر ولا يمكن أن يستمر الحال هكذا إلى الأبد  , كما عبر عنه الرائع مرسيل خليفة  :

يا ملوك الظلم يا عروش الحرير *مش هيك شرع الكون بكرة راح يسير

ولا هيك مركبة الدنيا عما بتظل مشلولى *عمابتجرها عقول الحمير

هكذا أصبح حالنا فالمال في جيب البخيل والسيف في يد الجبان ..

دعنا ننظر إلى المنظومة العربية سياسياَ واقتصادياً وعسكرياً وتقنياَ ,: فسياسياَ تأتي المنظومة العربية في مؤخرة العالم من حيث إصلاحات السياسية وتحول الديمقراطي في نظمها الحاكمة , بل تحولت بعض جمهورياتها إلى وراثية

والانتخابات الرئاسية أصبحت مسرحيات (one man show ) مسرح الرجل الواحد , إعادة إنتاج  الماضي في شخصية الرئيس الذي استنفذ برنامجه وطاقته وعمره في كرسي السلطة  - فاقد الشيء لا يعطيه – مع ذلك يستمر الرئيسا من اجل قلة مستفيدة ( oligarchy) حتى الموت .

اقتصادياً , يعتبر اقتصاد العربي من أسوا اقتصاديات العالم انتاجاً , ما ينتجه العالم العربي , ثلاثمائة مليون نسمة , أقل من إنتاج هولندا الدولة الصغيرة في أوربا, أو أسبانيا , أما أموال الريع من عائدات النفط في دول الخليج ,  ودائع في بنوك الغربية فيستثمر هناك بعيداً عن العالم العربي ,واستثماراتها في المنظومة العربية لا تتجاوز عشرة في المئة في أفضل الأحوال  , .

من الناحية العسكرية  المنظومة العربية هي الأضعف في شرق الأوسط , لا تستطيع أي دولة عربية حماية شعبها من أي عدوان خارجي محتمل لا من القوى العظمى ولا من جيرانها , فمثلاً دول العربية في الشام تحت رحمة إسرائيل أو تركيا , تذكرون عندما هددت تركيا سوريا من عواقب وخيمة إذا لم تطرد المعارض عبد الله أوجلان الكردي في خلال أربع وعشرون ساعة , ونفذت سوريا التعليمات فوراَ !! دول الخليج تحت رحمة إيران , والمغرب العربي تحت رحمة أسبانيا , رأيتم كيف استفز ملك أسبانيا المملكة المغربية بزيارة  مديني "سبتة ومليلية ", اللتان تبعدان بضعة أمتار من ساحل المغربي , بأعتبارهما أرض أسبانية . الصومال وجيبوتي  تحت رحمة إثيوبيا , إما مصر والسودان , فأمرهما عجيب ,مصر مصفدة باتفاقية" كامب ديفد "والسودان خارج دائرة التصنيف إذا كانت المنظومة العربية آيلة للسقوط فالسودان آيل للتلاشي , تقنياَ فحدث ولا حرج , أكبر منظومة استهلاكاَ للتكنلوجيا المستوردة في العالم, هذه المنظومة لا تصنع شيئاَ ولا تقن استخدام المستورد أيضا .ويصنف الشعب العربي من اقل شعوب الدنيا إطلاعا , واقلهم استخداماَ للورق والمداد , لا يكتبون ولا يقرءون إلا قليلا , معدل ما يقرأه المواطن العربي في اليوم أقل من خمس دقائق , سمعنا زمان يقولون : القاهرة تكتب والبيروت تطبع  والعراق تقرأ , والسودانيون عدلوه إلى الخرطوم  تقرأ ..  لكن اليوم لا نرى ذاك الوصف , سألني مدرس زميل في المدرسة عن كتاب كنت أطالعه , أجبته  : تاريخ عن دولة كذا .. رد هازئاً , تاريخ الأقطار العربية كلها سيناريوهات كتبها قلة مستفيدة على هوى السادة أو الأنظمة الدكتاتورية في غياب مؤرخين الشرفاء فلذ أنا لا أقرأ الأكاذيب والأساطير المؤولين . قمت مرة بتوزيع مجلات الإغاثة الإسلامية للطلاب في المرحلة المتوسطة , كانت تحتوي على معلومات قيمة عن الأقطار الإسلامية  الفقيرة وأقليات الإسلامية في خارج الوطن العربي هم في حاجة ماسة للمساعدة من قبل المنظومة الإسلامية , في نهاية الحصة قلت للطلاب خذوا هذه المجلات واحتفظوا بها وطالعوا !! قالوا لا نريد الإطلاع خذ مجلاتك معك , وٍالا سوف تجدها في الزبالة !!أخذت المجلات وخرجت !. هناك مفاهيم تقليدية سيطرت على عقل العربي عبر القرون , ولا زالت هذه مفاهيم الثقافية مصدر كوارث , عدم الاستفادة من التجارب , الرعونة والتهور والتقمص الماضي , .في ديننا الإسلامي  , المؤمن كيس فطن , وتكرار الأخطاء درب من الطيش , في عام 1258م بعث قائد المغولي " هلاكو تتري" إلى حاكم بغداد رسالة يهدد حاكم بغداد إذا لم يستسلم , كان رد الحاكم : أنت لا تعلم قوة رجالي سوف استنفرهم  لمجابهتك" هاجم هولاكو التتري بغداد ودكاها دكاً دكأ وأعدم الخليفة, ودمر تاريخ وقصة الحضارة الدولة العباسية التي استمرت ست قرون , . في عام 476م , بعث قائد الجرماني البربري , إلي إمبراطور روما يهدد الإمبراطور إذا لم يستسلم , بدلاً من ذلك بعث الإمبراطور كنوز روما من الذهب والفضة إلى  القائد , رد القائد برسالة إلى الإمبراطور : هذا لا يحميكم من الغزو ولكن يمهلكم فترة لترتيب أوضاعكم للاستسلام ", بهذه حنكة سياسية نجحت روما من التدمير وحافظت على حضارتها وتراثها وكنائسها واتقت شر وثنيين البرابرة . في عام 2003م بعث الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى حاكم بغداد صدام حسين يهدده بالرحيل

كان الرد حاكم بغداد صدام حسين "سوف ترون  مغول العصر ينتحرون على أسوارنا " هاجمت "المارينز"  مدينة بغداد  وأسقطها , ونهبت دورها ومتاحفها وتراثها , واغتصبت , وكانت كارثة سجن ابوغريب , وأخيرا أعدم حاكم بغداد للمرة الثانية , كانت هناك فرصة لإنقاذ المدينة وتجنيب أهلها شر مغول العصر .

 

حامد جربو / السعودية