Jarbo.com
في نيفاشا تم تقاسم السلطة والثروة بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية
لتحرير السودان, ومنذ ذلك التاريخ دخل مفهوم تقاسم السلطة والثروة وغيره في
قاموس السياسة السودانية , وتصّدرت قائمة المطالب أو أجنده التفاوض في كل من
أبوجا وأسمرا , كل حسب رؤيته ,وظروف إقليمه وحاجته الماسة في تمثيل العادل
للسلطة وتقاسم المنصف للثروة 0
ترى هل حققت عملية التقاسم ما أراده المهمشون والمتظلمون ؟
هل ما تم في تيفاشا هي وسيلة عملية لتقاسم السلطة والثروة في البلاد ؟
هل يمكن تقسيم السلطة والثروة في ظل الدولة الواحدة طبقاً لبرتوكول نيفاشا ؟
اجتهاد نيفاشا جاء على افتراض تقاسم السلطة والثروة في إطار دولة المؤسسات
بمعنى دولة لها سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة , يحكمها دستور في
إطارها الخاص والعام ولها هياكل اقتصادية واضحة وشفافة , بناءً عليها
صيغت نصوص نيفاشا بتفاصيلها الدقيقة المحددة , وكذا في اسمرا وبشيء
من الغموض والهلامية كما جاء في ابوجا 0
عندما جاء ت الإنقاذ إلى السلطة في 1989م كان السودان دولة ذات مؤسسات
بمواصفات العالم الثالث , - الدول النامية – رغم ضعف هياكلها بسبب قلة الإمكانيات
إلا أنها كمؤسسات موجودة بكل هياكلها ومعروفة لدى عامة الناس , تحت شعار
الإستراتيجية القومية الشاملة شرعت حكومة الإنقاذ في تكوين أجهزة ومؤسسات
تكون بديلاَ أو تكميلاَ للمؤسسات القائمة, فمثلاَ الشرطة الشعبية إلى جانب الشرطة
القديمة , الدفاع الشعبي إلى جانب الجيش , مجلس الصداقة الشعبية أو الخارجية إلى
جانب وزارة الخارجية , ديوان الحكم الاتحادي إلى جانب نظام الأقاليم والخ00وهكذا
تداخلت الوزارات والمؤسسات وتشابكت صلاحياتها واصبح السودان دولة غير واضحة
المؤسسية , سياسياَ متعددة المراكز والمرجع بين المشرعين والمنفذين واقتصادياً متناقض ,
ومتذبذب بين قديم المزاول والحديث المؤول, وجاءت اتفاقية نيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية
والسودان في أسوأ مرحلة تاريخية من حيث مؤسساته السياسية والاقتصادية , في ظل هذه
الظروف السيئة والمطربة تم اقتسام السلطة والثروة في نيفاشا 0
والملاحظ في المبادئ الموجهة بشأن الاقتسام العادل للثروة العامة لم يرد تعريف عام
لمفهوم الثروة , فقط اكتفى الطرفان بنص –تقسيم وتوزيع الثروة الناتجة عن موارد
السودان لتعزيز الحياة الكريمة والظروف المعيشية لكل مواطن بدون تفرقة على
أساس النوع أو العنصر أو الدين أو الانتماء السياسي أو العرق أو اللغة أو الإقليم
ويقوم اقتسام وتخصيص هذه الثروة على مبدأ أن كل أجزاء السودان لها الحق في التنمية 0
ورد في الفصل الثالث اقتسام الثروة في بند اقتسام العائدات غير البترولية الآتي :
للحكومة القومية الحق في إصدار تشريعات وفرض وجمع ضرائب وجمع عائدات من
المصادر المعددة أدناه :
1-الضريبة القومية على الدخل الشخصي
2-ضريبة أرباح الشركات والأعمال
3- الرسوم الجمركية وضرائب الاستيراد
4- إيرادات الموانئ البحرية والمطارات
5- رسوم الخدمات
6- مشروعات وأعمال الحكومة القومية
7- ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدمغة الحكومية أو ضرائب تجارة التجزئة الأخرى
على السلع والخدمات
8- رسوم الإنتاج , وأي ضرائب أخرى يتفق عليها بموجب هذه المفاوضات 0
هذه هي الثروة التي تم تقسيمها في الاتفاقيات الثلاث ( نيفاشا – أبوجا – أسمرا ) بالإضافة
إلي عائدات البترولية المفصلة في مبادئ موجهة لادارة وتنمية قطاع البترول 0
هل هذا يعتبر تقاسم عادل وعملي للثروة في البلاد ؟ إذا ثبت اقتسام العائدات المذكورة أعلاه
على الوجه المبين في نيفاشا (المرجعية ) هل تحقق أو تضمن الحياة الكريمة لمواطن الهامش ؟
كم تساوي حصة الفرد في اليوم إذا قسم هذه الثروة على عدد سكان السودان ؟
اجتهاد نيفاشا في تقاسم الثروة قد يكون موضوعياً وعملياً َ , إذا كانت في دولة تتوفر فيها الشفافية
ومكتمل البنيان الاقتصادية والسياسية ,ومحدد مصادر الدخل القومي بشكل عام وذات
مؤسسات اقتصادية قابضة أو اقتصاد اشتراكي أو رأسمالي مستنير الذي يعمل على ردم الهوة
بين الأغنياء والفقراء بفرض ضرائب معينة علي أرباح الشركات
ونشاط الأعمال التجارية ورسوم الخدمات العامة ودخول الأثرياء , 0
قامت الإنقاذ بخصخصة الدولة , وتم إجراءات الخصخصة في غياب إجماع القومي وفي ظل
دولة حزب شمولي قابض , ليس هناك مجال للمشاركة أو المنافسة, جرت الخصخصة في
ظرف استثنائي للحزب الحاكم, والجدير بالذكر هنا أن الهامش كان غائباَ عندما تم سودنه
الوظائف في السودان بعد الاستقلال ومن ثم استمر وضع الأسس لخدمة المدنية وتوزيع
الوظائف في غياب أطراف السودان والذي يسمى اليوم بالهامش , وجاءت الخصخصة
في غياب الهامش أيضاَ وزاد الهامش فقرا وتهميشاَ واتسع البون بين المركز والهامش في
عصر الإنقاذ , وتمكن المركز من إحكام السيطرة على السلطة والثروة بصورة عامة . 0
لا أعتقد أن اقتصاد الدولة الرأسمالية في عصرنا تعتمد على مصادر المذكورة في بنود
نيفاشا باستثناء البترول , الاقتصاديات الحديثة في الدولة الرأسمالية دعامتها الثروات الضخمة
في الشركات والمؤسسات المالية الخاصة , وفي أعمال التجارية والصناعية والزراعية , وفي
علاقة الدولة مع المؤسسات المالية العالمية والتجارة الدولية ,في هذا تكمن الثروة الحقيقية الفاعلة
لأي منظومة , الثروة الحقيقية والفعلية في السودان في قطاع الخاص الذي يملكه المؤتمر الوطني
بشراكه مع أصدقائها ومع جهات خارجية بأسماء تمويهية ,بعد تصدير النفط ودخول شركات
أجنبية برءوس أموال ضخمة للاستثمار في القطاعات المختلفة, اصبح السودان دولة غنية
رغم أن ذلك لم ينعكس بعد على دخل المواطن العادي ولا في معيشته , لكن ظهر ذلك جليا على
مستوى دخل أصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة وأصدقاء السلطة والحزب الحاكم 0ويأتي
ذلك من أرباح الشركات والمؤسسات التي يمتلكها المؤتمر الوطني0
خُصّصت قطاع الاتصالات أو مصلحة البريد والبرق قديماَ إلى شركات خاصة مثل سوداتل
موبتل –سوداني والخ00 من يملكها ؟؟ أو من يمتلك أسهمها ؟ من المستفيد من أرباحها السنوية؟
خصصت قطاع البنوك الحكومية إلى مؤسسات مالية وبنوك وصرافات خاصة من يملكها؟؟
خصصت قطاع النقل والمواصلات في شكل تجمع شركات نفل برية وبحرية ونهرية وجوية
من يملكها من المستفيد من أرباحها السنوية ؟
خصصت قطاع الأشغال والتشييد والبناء إلى شركات بناء الطرق والجسور والمعمار من يملكها ؟؟
خصصت قطاع الصحة بعد إلغاء مجانية الدواء والعلاج إلى مجمعات طبية ومستشفيات خاصة من
يملكها ؟؟
خصصت قطاع التعليم بعد إلغاء مجانية التعليم في تجمع مدارس وجامعات خاصة وكليات تقنية
من يملكها ؟؟
خصصت قطاع الإسكان والأراضي والمرافق العامة إلى شركات عقارية خاصة من يملكها ؟؟
خصصت الميادين والحدائق العامة إلى حدائق وكا زينوهات ومنتجعات خاصة من يملكها ؟؟
خصصت مؤسسة تصدير الماشية واللحوم , إلى مسالخ وشركات للتصدير خاصة من يملكها ؟؟
خصصت الشركات التي تعمل في خدمات البترول ومنتجاتها من يملكها ؟؟
كل هذه الشركات والمؤسسات يملكها الحزب الحاكم ( المؤتمر الوطني ) أو أفراد ينتمون إلى
إلى المؤتمر الوطني أو بشراكه مع جهات أجنبية ويديرها الحزب الحاكم ,
في مقال للدكتور التجاني عبد القادر في (sudanile .com ) ذكر أن مثلث ( الثروة- القبيلة –الأمن )
في حكومة المؤتمر الوطني هو الذي يحكم السودان , وذكر أن المال هو استراتيجية الحكومة
في إمساك بخيوط اللعبة السياسية في السودان , وهكذا صارت الثروة الحقيقية في يد السلطة ,
ما تبقي من استثمارات وإيراد الضرائب والجمارك وجباية المغتربين , هذه هي ما تعتبرها
الحكومة المال العام , ويشارك فيه جميع ولايات السودان , وهذه هي الثروة التي تم تقسيمها
في المفاوضات 0
لا أحد يعرف يقيناَ حتى اللحظة كمية النفط المستخرجة والمصدرة ولا إيراداتها السنوية غير
( أبو جاز )وأعوانه ,
لا أحد يعرف عدد الشركات والمؤسسات الاستثمارية الضخمة التي يمتلكها المؤتمر الوطني
كل شئ يتم في الظلام وراء أبواب المغلقة , وهنا قول مشهور لباقان أموم من الحركة الشعبية :
"عندما نأتي إلى القسمة مع المؤتمر الوطني يطفئون الفانوس 0"
من الناحية الاقتصادية الدولة السودانية القائمة الآن عبارة عن تجمع شركات ومؤسسات
خاصة للحزب الحكم وأعضائها وأصدقائها وشركائها من الأجانب , يديرها مثلث ( الجهوية -
القبلية – الأمن ) وأفراد من مناطق محددة وعلى رأس كل شركة أو مؤسسة فرد ينتمي
إلى قبيلة معينة , بمعنى دولة يتحكم فيها مثلث المذكور بآليات مدروسة ومخططة 0
لا تستطيع قوى الهامش التي فاوضت الحكومة أن تغير شيئاَ في الواقع , ولا حتى المفاوضات
القادمة بين الحكومة وجبهة الخلاص الوطني , لو شاركت في الحكومة بنصيب مقدر في السلطة
والثروة وبالطريقة التي خرجت بها نيفاشا لا يتغير شئ على أرض الواقع , لأن السلطة والثروة
والترتيبات الأمنية مع أجهزة فارغة المضمون والمحتوى , الثروة الحقيقية خصصت مصادرها , والسلطة
الفعلية خارج الأجهزة التشريعية والتنفيذية 0 تقاسم إيرادات المالية الواردة في الاتفاقية نيفاشا لا تشكل
تقسيم عادل للثروة , بقدر ما هو تقاسم الإيرادات التي يمكن تحصيلها , ولا يتجاوز حصيلتها
الأجور ورواتب العاملين في قطاعات المختلفة في الدولة , التي لا تسمن ولا تغني من جوع
, ولا تشكل اساساَ للتنمية ولا تكفي لدعم مشاريع البنية الأساسية في الأقاليم بأي حال من الأحوال
مع ذلك فطن الجنوبيون في نيفاشا إلى أهمية السياسة النقدية , والمصرفية ونظام الاقتراض
وقسموا بنك السودان إلى قسمين , قسم خاص بالجنوب برئاسة نائب محافظ بنك السودان
المركزي ليدير النافذة التقليدية التي تستخدم أسلوب التمويل التقليدي , ويكون بنك جنوب
السودان مسئولاَ عن منح التراخيص للمؤسسات المالية في جنوب السودان والأشراف عليها
يجوز لحكومة الجنوب أن تقترض الأموال بناءَ على قدراتها الائتمانية , ويجوز لحكومة الجنوب
أن تستقبل تمويلاَ من مصادر أجنبية , وبهذا فلتت الحركة الشعبية من قبضة المؤتمر الوطني
اقتصادياَ ولو جزئياَ , وتمكنت حكومة جنوب السودان من السيطرة على قطاع هام جداَ ألا
وهو قطاع البنوك والمؤسسات المالية , في تقديري هذا أهم من تقسيم الإيرادات الهزيلة 0
أما أهل الغرب والشرق الذين فرحوا بتقاسم السلطة والثروة في أبوجا وأسمرا , فسوف
يستغلهم المؤتمر الوطني كأيدي عاملة رخيصة أو كأجراء البطون بأجور زهيدة , في
شركاته ومؤسساته , ويكون حالهم كحال البروليتاريا الكادحة الفقيرة مع الرأسمالية المتوحشة
ويدوم اختلال توزيع السلطة والثروة بين المركز والهامش ويشتد القمع ضد ثورة الهامش
ما لم يفكر أبناء الهامش إلى خطة جديدة لتقاسم الثروة , فسوف يستمر قطار المؤتمر الوطني
في سكته, ويستمر الصراع والاقتتال بين أبناء الهامش على لحم (القرنتي قبل قتله ) كما
يقول المثل الجنوبي 0