Jarbo.com


الأرواح السائبة في دارفور

كيف تصف شعورك عندما ترى أو تسمع في الأعلام  أن الشرطة 

في بغداد عثرت على خمسين جثة مقطوعة الرأس والأطراف في

ضاحية المدينة . أو قام أحد بتفجير نفسه في داخل مسجد مكتظ   

بالمصلين فقتل وجرح أكثر من مائة شخص , أو قامت مجموعة

بتفجير عبوة ناصفة لعربة تحمل مدنيين من بينهم النساء والأطفال

في طريقهم إلى المدرسة , أو أطلق أحدهم صاروخ على  ضريح أو

مرقد لشخص يعتقد البعض مثلهم الأعلى , لاستفزاز مشاعرهم  وازدراء

معتقدهم مع سبق الإصرار  0

لماذا يرتكب هؤلاء جرائم بهذه البشاعة  والفظاعة ؟ من المسئول عن 

الجرائم ؟ 00لماذا يقتلون الأبرياء   ؟

هناك  شئ نتن في العراق , كما يقول المثل , أمريكا احتلت  أكثر من

50 دولة منذ الحرب العالمية  الأولى  لم يحدث مثل ما حدث في العراق 

لا يمكن فهم وتفسير ما يجري في العراق بمعزل عن التاريخ الذي عاشه

هذا البلد ,0 العراق الذي نسميه  دولة عربية – متعدد القوميات والديانات 

والمذاهب 0 العرب , الأكراد , الفرس ,والآشوريون 0 وفي وسط الأغلبية

المسلمة هناك  مسيحيون , واليهود سابقاَ,0 والمذاهب الشيعية والسنية والصوفية

الباطنية وغيرها 0

من سوء حظ هذا البلد  كان على موعد مع دكتاتور بعثي غاشم , معجب  بستالين

الزعيم السوفيتي الذي حكم الاتحاد السوفيتي السابق , وصاحب القول المشهور

" مقتل فرد مشكلة , أما مقتل ملايين مجرد إحصائية " 0 هذا الدكتاتور الذي لا

تعني له الأرواح الناس شيئاَ , أدخل البلاد في مآزق ومآسي  كانت لها عواقب

وخيمة وفواجع جسيمة , بدءاَ بتصفية صدام لرفاقه في حزب البعث وحروبه

مع دول الجوار التي تربطها مع العراق علاقات تاريخية واثتية ودينية وثقافية

واقتصادية , التي أحدثت دماراَ واسعاَ في الروابط التاريخية  بين هذه الشعوب

ومرواَ بحادث الدجيل والإبادة الجماعية في حلبجة  ومئات الآلاف من الجنود

الذين زج بهم في محرقة B52 في حربه مع أمريكا ومجزرة انتفاضة الجنوب 

كل هذه المآسي مرت من دون محاسبة أحد , كأن أرواح الناس وحياتهم وآمالهم

لعبة في يد الدكتاتور, كبيوت الرمل يشكلها كيف ما شاء فيسويه بالأرض وقت

ما شاء أو كقطيع الماشية  يسوقهم إلي حيث شاء 0

في دارفور ارتكبت حكومة الرئيس البشير , جرائم  في حق أهل دارفور وصفت

بأنها تصل إلى حد الإبادة الجماعية , وطالب المجتمع الدولي بمحاسبة الذي  كانوا

السبب المباشر في ارتكاب هذه الجرائم , وحذر المدعي العام لمحكمة  الجزاء

الدولية (لويس م0 أوكامبو) من مغبة إفلات هؤلاء من المثول أمام العدالة الدولية 0

رفضت حكومة الرئيس البشير بشدة محاكمة أي مجرم حرب أو مغتصب أو منتهك

أعراض أهل دارفور , معتبراَ ما حدث في دارفور أمر عادي يمكن معالجته بطريقة

سودانية بعيداَ عن محاكم الدولية , وأن أي محاولة من الأمم المتحدة أو من محكمة 

الجزاء الدولية لمحاسبة مرتكبي الجرائم سوف يقلب الطاولة عليهم , ويحول السودان

إلى أفغانستان أخرى , وساند رفضه بقسم ثلاثي غليظ 0

بهذا الإعلان وضع البشير نفسه في قائمة دكتاتوريين الذين يحسبون الأرواح مجرد 

إحصائية ,كما فعل من قبله صدام وغيره , ويعتقد أن أرواح السائبة في دارفور لا

 يجب أن تحظى باحترام واهتمام عالمي بهذا الشكل , ومحاسبة القتلة والمغتصبين

أمر غير وارد في ظل حكومته  وعلى أهل دارفور أن  يفهموا ذلك ,وينتظروا 

حتى يأتي قطار العدالة  من وراء الكثبان الرملية من دون سكة ! 0

ضحايا الحرب في دارفور طال انتظارهم  في الخيام , حتى الآن, لا قوات دولية 

ولا محاكم  دولية , مازالت الحكومة ومليشياتها تبطش بهم  بطش الجبارين وقتما

شاء , ليس بإمكانهم الرجوع إلى ديارهم ولا العيش من دون الإعانة بعد ما فقدوا 

كل شئ 0

الحكومة حصنت نفسها  من أي هجمات انتقامية محتملة  من قبل ثوار دارفور

بمليشيات قبلية وبأعلام عنصري فاضح ضد ( الغرابة ) معتقداَ أن الوضع سوف

يستمر هكذا إلى الأبد , 0

هل يستسلم الثوار والشباب في دارفور للأمر الواقع ويعودوا كما كانوا ؟

هل يمكن رتق النسيج الاجتماعي في دارفور من دون محاسب المجرمين ؟ 

كيف لشاب عزيز النفس  عفيف الضمير والخلق أن يعيش مع شخص  قتل

أبيه وأغتصب أخته وأهان شرف أمه 00؟؟ أنا لا أستطيع  أن أتصور حياة 

من دون العدالة والقانون 0

من رحم مثل هذه الأجواء الظالمة يولد العنف الإرهاب ,لا ينعم رئيس البشير ونظامه

بسلام ما لم تعيشه واقعاَ في دارفور , لا تهنا زمرة الرئيس بأمن ما لم تأخذ العدالة

مجراها , لا مساومات ولا تعويضات ولا ترضيات , الشرف هو أغلى ما يملكه

الإنسان , القصاص القصاص,  وإلا فليخرج المارد من قمقمه, فسوف تشاهدون

جثث ورؤوس في المدن والأرياف , هذه المرة ليس في دارفور فقط بل في ضاحية 

 البشير وصلاح قوش وعبد الرحيم محمد حسين  وغيره 0

حامد جربو /السعودية