Jarbo.com


من أدبيات الصراع المركز والهامش في السودان

 

كان لألبرت أينشتين الملاحظة التالية  "لا يمكن حل المشكلات

الرئيسية التي نواجهها بنفس مستوى التفكير الذي كنا عليه ساعة

أوجدناها "0

لم يتطور مستوي تفكير السودانيَ المركزي أو الهامشي كثيراَ فيما

يختص بمعضلة صراع المركز والهامش أو صراع القديم والجديد

منذ اندلاع الثورة في الهامش السوداني , ويتضح ذلك أكثر عندما

ننظر إلى الطريقة التي يتعاطى بها المركز مع قضايا الهامش ولا سيما

قضية دارفور, يبدوا كما لو أننا ما زلنا في المربع الأول , موقف

النظام في الخرطوم  لم يتغير كثيراَ , بنفس مستوى التفكير الذي كان

عليه عندما انفجرت الثورة في الهامش, أعلن رئيس البشير أنه مستعد

للقتال,- لم ولن  يفتح باب الحوار مرة أخرى مع الثوار في دارفور

وأنه قادر على إلحاق الهزيمة بهم  مهما طال الزمن , 0

هذا هو موقفه عند انفجار الثورة في دارقور في مطلع عام 2003م

أما ما يختص بأوضاع النازحين في الهامش كان ومازال موقف

المركز (النظام)  سلبياَ لحد التطرف , يعتبرهم خسائر الحرب لا

يمكن الاهتمام بهم, أو يعتبر الوضع طبيعي مادامت هناك حرب

ويرفض بشدة حماية النازحين بقوة محايدة  مثل الأمم والمتحدة

أو قوى مشكلة من الدول الإسلامية  بقيادة الأمم المتحدة , بحجة

انتقاص السيادة الوطنية أو استعمار جديد تحت مظلة الأمم المتحدة

لم نسمع في التاريخ أن الأمم المتحدة استعمرت دولة ! وكيف

لمنظومة أن تستعمرك وأنت عضواَ فيها؟ 0

وبنفس المستوى المركز , الهامش ايضاَ  لم يدرك بعد  المشكلات

العميقة الجوهرية التي يعاني منها , ولا يمكن تخلص منها بنفس

مستوى التفكير الاصطناعي الذي استورده من المركز من دون

وعي , انه أي الهامش في حاجة إلى مستوى جديد , مستوى أكثر

عمقاَ في التفكير والتصور ذهنياَ يستند إلى المبادئ لا إلى مصالح

الشخصية أو الجهوية الضيقة التي لا تستوعب الآخر0

الوطن ليست  ضيعة , ولا (حاكورة) أحد, أنها رقعة جغرافية  يعيش

فيها الناس بالتراضي , بمبدأ المنفعة للجميع , أو المنفعة للجميع

وإلا فلا اتفاق , وهذا ينطبق علينا نحن في السودان ,0

أغلبية النخبة السياسية السودانية من ذوي عقلية الشح , عقلية الشح

تصور ذهني  صفر الناتج , والناس ذوو عقلية الشح يواجهون أوقاتا

صعبة عند المشاركة في التقدير والثقة والسلطة والفائدة  حتى مع

شركائهم , وهم يريدون الآخرين أن يسيروا الطريقة التي يردونها

وغالبا ما يريدون استنساخهم , ويحيطون أنفسهم بالأشخاص الذين

يقولون نعم ,أشخاص لن يتحدوهم ويكونون اضعف منهم ,ويبذلون

طاقاتهم لامتلاك الأشياء أو أناس آخرين من أجل زيادة إحساسهم بالقيمة 0

على جانب الآخر تجد عقلية الوفرة , فهي تصور ذهني بأن هناك كثرة

متاحة للجميع تكفي كل واحد وتفيض , وتظهر في المشاركة في التقدير

والفوائد وصناعة القرار, وعقلية الوفرة تفتح أبواب الإمكانيات والخيارات

والإبداع , أي انتصار جماعي هي ثمرة لتصور عقلية الوفرة , وأي فشل

جماعي هو تصور لعقلية الشح كما يتكرر عندنا في السودان 0

عقلية الشح لا تسمح بتداول السلمي لسلطة وبالتالي تقاوم الديمقراطية

والمنافسة الشريفة في الحياة , وهي تعمل ضد الفطرة الإنسانية  السليمة 0

بدأت تظهر نتائج عقلية الشح التي استمرت في السودان عهوداّ  في ثنائية

المؤتمر الوطني والحركة الشعبية المكونان الرئيسيان لما يسمى بحكومة

الوحدة الوطنية في السودان , كلا الطرفين  يسلك طريقه دون أي اعتبار

موقف الشريك , بالرغم من أنهم معبرين عن ألسنتهم عن سعادة لنجاح

شريكين في قيادة البلاد إلى الاتفاقية التاريخية , إلا انهم من الداخل قلوبهم

تتآكل من الغيظ , فإحساسهم بالقيمة يأتي من كونهم مقارنة, ونجاح الطرف

بدرجة معينة يعني فشل الطرف الآخر, رغم  خيرات البلاد من البترول

والزراعة والثروة الحيوانية الضخمة والمعادن النادرة ,أبت عقلية الشح

من التقسيم العادل حتى على مستوى الشريكين , ما بالك من السودان كله

ليس بإمكان حل مشاكل السودان الشائكة بالطريقة التي يفكر بها السودانيون

الآن , حرب ودمار وثم مفاوضات في جو عديمة الثقة من طرفين يصل إلى

حد يتمنى كل طرف أن تنشق الأرض وتبلع الطرف الآخر من دون شفقة

واتهامات متبادلة وخلافات عميقة في المسائل الجوهرية , 0 كل هذه جاءت

نتيجة لتراكم  ثقافي سياسي منحرف  وتعامل اجتماعي اتسم بالزيف والخداع

من نخبة سياسية وثقافية انتهازية تعمل في مجتمع لم يصل بعد مصاف

المجتمعات المستنيرة 0 مشكلتنا ليس في البعد الخارجي , ولا في تدخل

الدولي ,ولا في دول الجوار , مشكلتنا في ذاتنا , لا يمكن الوصول إلى ما

نحن عليه الآن دون الطريق الذي سلكناه , عقلية الشح التي وصلتنا إلى ما

نحن عليه الآن , ربما في مناهجنا أو في ثقافة بعضنا أوفي تراثنا والخ000

والشيء المؤسف حقاَ أن شبكة العلاقات الاجتماعية في المجتمع السوداني

وهي من المهارات العظيمة في المجتمع البشري, قد تدهورت , وبتالي قل

استماع التعاطفي بيننا, الذي عن طريقه نرى العالم بنفس الطريقة التي يرى

غيرنا, وبذلك نفهم تصوراتهم الذهنية ونصل إلى تقارب الآراء بصورة

يعزز ثقة بيننا ويخلق احترام متبادل ويبني روح التضحية في مجتمعنا 0

يجب علينا أن نبحث عن أخطائنا في ذاتنا وعن نجاحنا أيضا 0

"إنها لأمور بسيطة تلك التي توجد خلفنا أو أمامنا 00فهي لا تقارن

بما يكمن في داخلنا ويدفعنا بقوة إلى مصيرنا  0

تمعن بعناية في كلمات جوزيف أديسون التالية :

عندما أنظر إلى قبور العظماء تختفي من جوانحي كل مشاعر الحسد

وتخبو عندي كل رغبات الجامحة من نفسي , وعندما أرى الملوك

وخصومهم في مثواهم  الأخير أو عندما أشاهد القبور تضم أصحاب

الأفكار المتصارعة ورجال الدين الذين تنوعت مذاهبهم وقسموا العالم

بخلافاتهم 00أنظر بأسى ودهشة إلى المنافسات الضيقة الأفق غير

المجدية التي فرقتهم شيعاَ وطوائف وأحزاباَ 0وعندما أقرأ التواريخ

المختلفة الموجودة على القبور وفيها من يعود إلى الأمس وفيها من يعود

إلى مئات السنين, أقلب الفكر في اليوم الآخر عندما يلتقي الناس جميعاَ على

قدم المساواة بعد بعثهم من قبورهم 0

 

حامد جربو /السعودية