Jarbo.com

 

 

العلاقات السودانية التشادية بين فوبيا وبراغماتية .(2)

كتبنا من قبل في هذا (site) عن العلاقات السودانية التشادية ,

وذكرنا أن العلاقة بينهما اتسم بالخوف الدائم رغم المصالح المتبادلة

بين الشعبين في جميع الأصعدة .

قدمت حكومة الإنقاذ في بداية عهدها دعماَ سخياَ وفي جميع المجالات

لحكومة التشادية, كان هناك عدد كبير من الطلاب الشاديين يدرسون في

الجامعات السودانية بمنح مقدمة من الحكومة السودانية , وعسكريون 

يتدربون في الكلية الحربية السودانية , واستخدمت تشاد الموانئ السودانية

في الاستيراد والتصدير , وكانت الحدود السودانية التشادية مفتوحة وتبادل

الاستخباري بين البلدين (عيانا ).

وفي المقابل فتحت الحكومة التشادية لحكومة الإنقاذ التي تكابد الحصار من

الدول الغربية ومن أصدقائها من دول الجوار بسبب مشروعها الحضاري 

المزعوم , فرص الاستثمار والحركة وكانت جسراَ لدول غرب أفريقيا ,

بالإضافة إلى دعم تشاد لمواقف الإنقاذ في محافل الدولية والإقليمية , 

وانحيازها التام إلى جانب السوداني من دون تردد .

هكذا كانت العلاقة بين البلدين حتى نهاية عام 2000م , عندما رصدت

الاستخبارات التشادية تجمعات يعتقد أنها مناوئة لنظام دبي في معسكرات

بدارفور غربي السودان , وأبدى النظام في تشاد انزعاجه من هذه المعسكرات

كما عبر عن قلقه من اختراق الجنجاويد لحدوده من وقت لآخر بحجة مطاردة

اللصوص والنهب المسلح , ولكن حكومة الإنقاذ كانت ومازالت تنفي ما تدعيه

الحكومة التشادية باستمرار .

دخلت العلاقات السودانية التشادية منعطفاَ حرجاَ بعد اندلاع الثورة في دارفور

ألقت بظلالها على البنية الأمنية والإستراتيجية بين البلدين , ويرجع ذلك لافتقار

النظامين لرؤى تنسيقية مسبقة  تمكنهما من حل المعضلات الطارئة , ولم يكن

لهما أدنى تصور لما توؤل إليها الأمور بعد الحرب , ومما زاد الطين بلة وعقد

العلاقة بين البلدين أكثر , ربط النظام في الخرطوم ما يجري في دارفور بنظام

الرئيس إدريس دبي في تشاد , ويعتقد جازماَ وبدون تحفظ بأن ثوار في دارفور

يجدون دعماَ مادياَ ومعنوياَ ولوجستياَ من الرئيس إدريس دبي , كان ذلك افتراضاَ

سيق على هذا النحو : معظم قادة الثوار في دارفور من قبيلة الزغاوة والرئيس

دبي هو منهم ,ما الذي يمنع من أن يقدم لهم دعماَ سخياَ!! , - بالرغم من أن 

مصالح الحكومة التشادية في السودان تحول دون ارتباط النظام في تشاد بأي

طرف لا يرضي الحكومة السودانية إلا أن النظام في الخرطوم صدق ما يعتاده

من توهم , وحمل ما يجري في دارفور إلى الرئيس إدريس دبي ونظامه .

عقلية النظام في الخرطوم بعد فراق البشير والترابي تسيطر عليها القبلية 

والجهوية , كانت ومازالت منطقاتها جهوية أو قبلية صرفة, ونظر إلى قضية

دارفور بهذا المنظار وربطه بتشاد دون هدى أو برهان مبين  , وفشلت كل

المحاولات الجادة من المسئولين التشاديين لإقناع النظام في الخرطوم بأن ما

يحصل في دارفور هو شأن سوداني خالص , وليس لحكومة التشادية أي مصلحة  في

تأجيج الوضع وخلق توتر بين البلدين , والتقى الرئيسان أكثر من مرة في كل

الفاشر والجنينة وغير هما لنفس الغرض ولم يجدي نفعاَ , واستمرت الاتهامات

المتبادلة بين الدولتين في تصاعد .

وبإيعاز من المعارضة التشادية في السودان قامت الاستخبارات السودانية 

بتجميع وتدريب مجموعة من أبناء القبائل المشتركة بين السودان وتشاد

(العرب –التاما – البرقو – الزغاوة ) بقيادة (commando ) محمد نور

الضابط السابق في الجيش التشادي , أبن سلطان التاما بقريضة (شرق

تشاد ) لاستيلاء على السلطة والإتاحة بالرئيس دبي, ومن ثم التفاف 

حول الثوار في دارفور من الخلف , ولكن فشلت الخطة ,وانهزم المعارضة

التشادية على أعتاب انجمينا وفر محمد نور.

لاشك أن هزيمة محمد نور كانت ضربة مؤلمة لنظام في الخرطوم الذي

وضع آمالاَ كبيرة على هذه الحملة , وفضحت الأجهزة الأمنية السودانية 

عندما أفشى الأسرى في انجمينا  كل ما تم بين المعارضة التشادية والاستخبارات

السودانية من دعم وتدريب وتجهيز للحملة .

هناك قناعة  عند كثير من ساسة في السودان , خلاصتها تقول  :

 يمكن لأي معارضة مسلحة تشادية مدعومة من الحكومة السودانية  

الاستيلاء على السلطة في تشاد بيسر , ويضربون لك مثلاَ بحالات

مماثلة , قوة مسلحة انطلقت من السودان وحكمت تشاد , حسين هبري

والرئيس الحالي إدريس دبي  , ولكن فات على الساسة النظام في الخرطوم

أن الذين أداروا المعارك وأطاحوا بالأنظمة في تشاد منذ الثمانينيات  هم الآن

في السلطة في تشاد ,ثم إن حملة محمد نور المدعومة من النظام في الخرطوم

(المؤتمر الوطني ) عناصره يتألف من فلول الجنجاويد ومن أبناء المهشمين

وفاقد التربوي من أبناء السودان, وعناصر مرتزقة من النظام في الخرطوم , 

كيف لكتيبة تتألف عناصره من هذه الشتات أن تنتصر ؟ 

والآن يجري ترتيب العلاقات بين البلدين مرة أخرى, بعد تبادل الرشق الحجارة

لبيتيهما الزجاجيين , هل تسلم هذه المرة البيوت الزجاجية من الحجارة الطائشة ؟ 

حامد جربو/ السعودية