|
|
من أقصا المدينة يخلط كثير من خطباء المساجد لاسيما خطباء المساجد الأرياف في المملكة العربية السعودية الخطاب الديني بالعروبة , ويعكس الخطيب الصراع بين الإسلام ونقيضه كما لو أن الصراع بين العروبة (الأنا ) في حالة الخطيب والآخر يتمثل في نقيضه ., ويفهم المستمع في صيغة صراع الثقافات , لا في صيغة الصراع بين الحق والباطل كما يفهمها المسلم العادي في أي مسجد من مساجد عالمنا الإسلامي 0 بالأمس القريب خاطبنا أحد الأئمة بعد صلاة العيد قائلاً : "أنتم خير امة , ليس لكثرة أموالكم , ولا لوجود النفط في دياركم , بل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر 0"هذا الحديث موجه لفئة معينة في المجتمع السعودي , الذي يوجد فيه عناصر متنوعة من عالم الإسلامي , فيه الغني والفقير ,المسلم العربي وغير العربي من بلاد شتى في العالم , وكان الحضور الأجانب لافت للنظر , فلذا كان يجب على الخطيب يراعي مشاعر المسلمين بصرف النظر عن جنسياتهم , إن الله لا ينظر إلى أجسامنا ولا إلى جنسياتنا ولا إلى ألواننا بل إلى قلوبنا , رسالة الإسلام إلى العالمين كافة 0 سرد لنا أحد خطباء الجمعة في منطقة ( جازان) قصة أصحاب الفيل , في نهاية الخطبة خرجنا بمفهوم , أن حربا وقعت بين الأحباش والعرب , وأن الله نصر العرب لأنهم سدنة البيت الله الحرام وانهزم الأحباش الكفرة بقيادة" أبرهة " هذا هو تصور الذي يخرج به المسلم العادي أو كل من ليس له خلفية دينية وتاريخية مستنيرة عن الحدث , وهذا يأتي في صياغ صراع الثقافات (نقول صراع الثقافات , وليس صراع الحضارات , لآن الحضارات لا تتصارع ) 0 المعروف أن الحدث كان قبل الإسلام , في عام الذي ولد فيه الني صلى الله عليه وسلم – عام الفيل- ليس في مكة يومئذ مسلمين ولا مؤمنين ولا موحدين بمفهومنا الإسلامي بل كانوا مشركين عبدة الأصنام (الات والعزى والهبل ) ويتضح ذلك أكثر من حديث جعفر الطيار رضي الله عنه , أمام النجاشي ملك الحبشة الذي لا يظلم أحد عنده, عندما هاجر إليه المسلمون الأوائل – الهجرة الأولى - وتبعه المشركون لإرجاعهم , قال رضي الله عنه مدافعاً عن هجرته " كنا قوماَ أهل جاهلية , نعبد الأصنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع الأرحام , ونسئ الجوار , ويأكل القي منا الضعيف , حتى بعث الله إلينا , رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته و عفافه , فدعانا إلى الله لتوحيده ونعبد ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار , والكف عن المحارم والدماء , ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات , وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاَ وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام , فصدقناه , أيها الملك واتبعناه على ما جاء به من عند الله , فعدا علينا قومنا فعذبونا ليردونا إلى عبادة الأوثان , فخرجنا إلى بلادك , واخترناك على من سواك , ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك , وقرأ له آيات من سورة مريم , نهض النجاشي إجلالا لكلمات الله وقال بخشوع : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة , وأمر بطرد وفد القريش الذي جاء لأرجاعهم0 أما أبرهة كان نصرانياً على دين النجاشي , بنى كنيسة فخمة في اليمن لعباد الله , وجاء أعرابي من الحجاز وتغوط فيها , وغضب غضباً شديداً , بدلاً من تأديب الأعراب حاول هدم بيت الله في مكة لينتقم منهم , حمى الله بيته " أرسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * ليس للعرب في ذلك دور , بل قالوا للبيت رب يحميه وقد كان , ولم يكن صراعاً أو حرباً بين الأحباش والعرب , ولم يكن هناك نصراً لأحد أ, أو هزيمة, إنما نصر الله الحق على الباطل , العلاقة بين المسيحية في الحبشة والإسلام في الجزيرة العربية علاقة تسامح واحترام لأبعد الحدود وعبر القرون , والجدير بالذكر , أن ملك الحبشة ( النجاشي ) هو الوحيد من بين ملوك ذلك العصر الذي ربط النصرانية بالإسلام ," إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة " والحبشة هي المملكة الوحيدة في ذلك العصر تقبلت ورحبت بدعوة الني صلى الله عليه وسلم , وكان النبي يحب الحبشة ويبادل ملكها الرسائل والهدايا , رغم هذا التاريخ الزاخر بالمحبة والوئام في عصر الإسلام , يصر بعض الخطباء المساجد في الأرياف بتذكير الناس قصة أبرهة الحبشي الذي حاول هدم بيت الله في مكة وكيف أن هذا الحبشي استباحة ديار العرب , وأن بعض ضعاف النفوس من الأعراب تحالف مع الأجنبي ضد العرب والخ00 لا يذكرون قصة النجاشي مع الإسلام , ولا علاقة حسن الجوار التي دامت قرون ومازالت بين نصرانية الحبشة وإسلام العرب , أنا لا ادري ما سر تذكير الأحباش بقصة أصحاب الفيل , وتغييب دور قصة النجاشي ملك الحبشة مع الإسلام , صحيح أن ذكرى تنفع المؤمنين وان قصة أصحاب الفيل ورد في القرآن , ولكن ليس بمفهوم الذي يسرده بعض الخطباء المساجد مسلمين اليوم في حاجة ماسة إلى تعايش سلمي مع أصدقائهم وجيرانهم وذلك يتطلب تذكير الناس بروابط التاريخية والثقافية والمواقف والمبادئ والتي جمعتهم مع هؤلاء الشعوب عبر التاريخ, بدءاً بعصر الإسلامي وما تلاه 0 هنا أذكر , وقبل عام ,قال لي أحد الطلاب وهو في المرحلة المتوسطة : محمد رسول المسلمين وعيسى رسول الكفار , لأن النصارى هم كفار "* قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم واسما عيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوني النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * البقرة 136 ,هذا هو عيسى عليه السلام في الإسلام, لم يكن رسولاَ للكفار , يبدوا أن الطالب في حاجة إلى فهم تسلسل التاريخي للأحداث لأنه يجهل جوهر الرسالة السماوية للأرض , وهذا مفهوم يأتي في شكل صراع القائم بين الإسلام والنصرانية الذي تأججها المنظومة الغربية , 0 خلاصة القول ,أن الإسلام دين البشرية كافة *" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراَ ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون *" سبأ 28 , وشارك في نشره قوميات وعرقيات متعددة عبر القرون , العرب والروم والفرس والبربر والأتراك والمغول والتتار والخ00والحضارة الإسلامية هي نتاج تفاعل هذه القوميات تحت منظومة إسلامية مستنيرة واحدة, أنتجت حضارة عظيمة أصبحت مرجعاَ لحضارة العصر , لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إن أكرمكم عند الله اتقاكم 0
حامد جربو / السعودية |