Jarbo.com

 


أبناء دارفور ..أسباب الخلاف والاختلاف  

 تطابقت الآراء  والاستدلالات والاستنتاجات  أبناء دارفور في تحديد  وتشخيص

المعضلة التي تواجه إقليم دارفور , كما اتفقوا في إبراز المعوقات والصعوبات 

 التي أقعدت الإقليم من أحدات تطور أو إحراز تقدم في مجالات التنمية

بأشكالها المختلفة , من تعليم , وصحة – وطرق- وتأهيل وتثقيف والخ..  

ولكن اختلفوا في طرق معالجة هذه المعضلات  , منهم من حمل السلاح  ضد المركز

المُهمش , ومنهم من اكتفى بتقديم النصح والاحتجاج , وفريق آخر يطالب بتنظيم

معارضة سلمية أو ثورة مدنية بأشكالها المتنوعة لانتزاع الحقوق بدلاً من حمل السلاح   

وقلة استخدمهم النظام في الخرطوم ضد حملة السلاح , مستغلاً  قلة وعيهم وإدراكهم

لما جرى ويجري من تهميش والإقصاء والقسمة الضيزى للسلطة والثروة في دارفور

وفئة تبدوا كما يقول الثائر " بوب مارلي " some people get no aim it seem " .

ليس لهم دور فيما يجري من تحولات سياسية واستراتيجية وإدارية بشأن الإقليم 0

أن تكون هناك اختلاف في الآراء وتباين في رؤية في كيفية معالجة قضية شائكة مثل  قضية

دارفور شي طبيعي ,وصحي في نفس الوقت, لأن القوة والإبداع في التنوع , والتماثل

شئ ممل وغير خلاق , هناك حكمة سياسية تقول لا تضع البيض في سلة واحدة , أي

لا تكون صاحب فكرة سياسية واحدة أو جامدة , يجب أن تكون هناك بدائل لمسألة 

السياسية , ويأتي البديل من الثراء الفكري و التنوع في الأخذ والعطاء مع الآخرين .

أما الخلاف , هو الصراع أو النزاع , أي أن هناك مشكلة يجب حلها أو تسويتها

للخلاف أو النزاع صور وأشكال شتى , لكل مسبباتها ومهيجاتها حسب الظروف

والملابسات . الصراع والحروب القبلية  في ريف دارفور لأسباب كثيرة ومتعددة 

أهمها صراع المزارعين والرعاة على المراعي ومصادر المياه الشحيحة في الإقليم

وصراع على ملكية الأراضي والحوا كير وإدارة المحاكم الأهلية والقبلية ,والاشتباكات

التي تحدث نتيجة للسرقات و"الهمبتة "من وقت لآخر  .

ولكن الخلافات التي نحن بصدد مناقشتها هنا هي تلك التي تحدث في أوساط ما نعتبرهم

مستنيرين من أبناء دارفور وفي قضايا مصيرية واستراتيجية , مثل قضايا التنمية و

وقيادة الحركات الثورية , ومستقبل الإقليم في قضايا أخرى مهمة .الإنسان  بطبعه

يعيش بكثير من  الخصائص والقيم والموروثات , التي انتقلت إليه من الماضي  بعامل

التسلسل الثقافي وتداخل الاجتماعي, بعض هذه الخصائص والموروثات غير فاعلة أو

غير كاملة أو عديمة الفائدة مضر بحراك السياسي والتنموي على السواء , أنصار

هذه الموروثات يتمسكون بمصالح وتركات قد تضر بمصالح العامة بصورة مباشرة

أو غير مباشرة , مع ذلك هم يصرون على إبقائها بأي ثمن , " الهي هبني الشجاعة

لأغير من الأشياء التي يمكن ويجب أن تتغير , والسكينة لأتقبل الأشياء التي لا يمكن

تغييرها , والحكمة لأن أعرف الفرق بينهما " . أهم هذه الخلافات :

الزعامة : للزعامة أو القيادة جاذبية لا تقاوم , لأنها شكل من أشكال السلطة ,

كل يسعى بطريقة أو أخري أن يكون في موقف الصدارة ,لدينا في تاريخ البشرية

صراع مرير على الزعامة والسلطة بكل مستوياتها , نصف حركة التاريخ يدور

في هذا المضمار , فأهل دارفور  هم أحفاد ,ملوك وسلاطين وشراتي  ودمنقارات

ومقاديم وأمراء وعمد وشيوخ ونظار , فلذلك تستهويهم الزعامة والقيادة بصورة ملفتة

وأحياناً مقلقة , هذا في رأيي هو السبب في معظم الخلافات فيما يتعلق بالزعامة

المثل يقول " الكل يقول أنا الأمير من يسوق الحمير".  

التنمية :

يربط كثير من أبناء دارفور التنمية بالإدارات الأهلية والزعامات القبلية , لا مجال

للجمهور أو المبادرات الفردية أو الشعبية , كثير من أبناء دارفور ما زالوا متأثرين  

وبطائفية  العائلية , أو طائفية الإدارة الأهلية التي تعتبر الأرض والناس ملكهم  وليس

تنتمي لهم أو محسوب عليهم  في تنظيم إدارة الحكم المحلى والأهلي  في السودان , ومنهم

من يرى وخاصة أبناء بعض الإدارات الجاهلية , أن مشاريع التنمية أو  أي برنامج تطوير 

 لريفهم , يجب أن تكون تحت إدارتهم  مباشرة , إذا جاء جهد تنموي أو مبادرة من أبناء

المنطقة , وهم خارج - البيت الحاكم – يترددون ويشكون , ربما يعيقون ويعطلون التنمية 

ذلك خوفاً من أن الذي أحدث التنمية  ربما لديه أطماع  في الزعامة يريد سحب البساط من

تحتهم , ويخطف الأضواء  وينال رضا الناس ومن ثم ينال إعجابهم , ويدخل في منافسة

الزعامة 0حكى لي أحدهم : عندما كان مسئولا  في اتحاد الاشتراكي السوداني في عهد

الرئيس نميري , تقدم بمشروع تنموي يخص أحدي أرياف تابعة لإدارة أهلية في منطقة

شمال دارفور , تم تصديق بدعم مادي كبير, عندما طرح المشروع على أهالي المنطقة

رحبوا به وطالبوا التعجيل في التنفيذ , لكن أبناء الإدارة المحلية في تلك المنطقة , طلبوا

منه , أن يتم المشروع تحت إدارتهم أو باسمهم ,والا سوف يري ما لا يعجبه!! ,  وهددوه

بعواقب وخيمة , أضطر المسئول تحويل الدعم وإلغاء المشروع   .

الوظائف والمناصب :

من ضمن الإشكاليات الخلاف في دارفور الوظائف والمناصب , وخاصة المناصب السيادية

والتنفيذية العليا إن وجدت ! , كل فئة أو قبيلة أو جماعة تريد الوظيفة أو المنصب لنفسه

دون مراعاة الأوضاع السياسية والأقيمية التي تجعل المشاركة في السلطة والثروة والتنمية

ضرورة ملحة . لمادا فشل أبناء دارفور في توحيد الفصائل الثورية  ؟ أو حتى توحيد القيادة

في المفاوضات السابقة ومن المحتمل المفاوضات القادمة! , الأشخاص مثل المخضرم السيد

احمد إبراهيم دريج , د.خليل اراهيم محمد ,ود. شريف حرير, والمحامى عبد الواحد محمد نور 

لديهم تجارب سياسية ومؤهلات أكاديمية , ودعم شعبي كبير , يجب أن لا يفوتوا الفرصة الماثلة

أمامهم بتوحيد جهودهم و تنظيم أوضاعهم  وترتيب قيادتهم بأسرع فرصة ممكنة لإقناع الشعب

والمجتمع الدولي على قدرة أبناء دارفور في قيادة الإقليم  .

هناك مشكلة حقيقية فيمل يتعلق بالقيادة والمناصب , بعد اندلاع الثورة في دارفور , أنتج الوضع

السياسي حالة استثنائية , ظهرت مجموعة من الشباب , لديهم رغبة جامحة وطموح في السياسة

ولكن بكل أسف أغلبهم يفتقد التجربة السياسية والعمل المنظم  , والبعض دون مؤهلات , لا علمية

ولا أكاديمية ولا تجارب سياسية بحكم الوضع المهمش في الإقليم, رغم الثورية العارمة التي تجتاحهم 

السياسة مدرسة عامة , ولكن الحكمة السياسية هي موهبة خاصة .

قبل ثلاث الآلاف سنة قسم الفيلسوف اليوناني " أرسطو " الناس إلى ثلاث مجموعات رئيسية , الأولى

الجنود المحاربون : أصحاب أجسام قوية وشجاعة وأقدام ,المجموعة الثانية :أصحاب العقول  

والتجارب وسماهم " wisdoms" الذين لهم القدرة على إدارة أمور الناس بحكمة  وهم الساسة

والمجموعة الثالثة : عامة الناس أو الرعية عليهم طاعة من يحمى مصالحهم من الساسة والحكام .

نحن في دارفور لسنا في" أثنا" قبل ثلاث الآلاف سنة ,ولكن التجارب يصقل العقل والفكر , والعاقل

من اتعظ بغيره , عندما التقى وفد الحكومة بالثوار دارفور أول مرة في " أبيشى" للتفاوض على وقف

إطلاق النار , وجدوا مجموعة مقاتلين , ليسوا على دراية  بقواعد وبرتوكولات التفاوض , علق

أحد أفراد وفد الحكومة ساخراً بهم , لا يتقنون أي لغة حضارية , لا عربية ولا إنجليزية ولا فرنسية

وفي ابوجا , وجدنا بدل فارهة وعقول فارغة , .ليس كل مقاتل شجاع يصلح أن يكون قائداَ سياسيا

ولا كل مقاتل بضرورة  أن يكون ضابطاَ في الجيش , الثورة مقرونة بالتضحيات كما يجود الناس

برواحهم يجب التضحية بالمناصب والوظائف ,

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم * لم تبن ملك على إقلال ,

الخلافات السياسية :

تعمقت الخلافات السياسية بين أبناء دارفور بعد اتفاقية أبوجا ,لاسيما بين

الحركات , وانخفض سقف الحد الأدنى للعمل المشترك , رغم أن ليس

هناك أي تباين في الأهداف العامة التي من اجلها انطلقت الثورة في دارفور

إلا أن التصريحات الصادرة من الذين يتحدثون باسم هذه الحركات قد تباينت

بصورة مقلقة , والبعض أنكر ادوار تاريخية ومواقف مشرفة لثوار 

يمثلون هذه الحركات ,.

أبوجا هي القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون , ومنها دحرجت 

الصخرة الأولى , هي المحطة الفاصلة لكثير من الملابسات التي لازمت

الحركات منذ انطلاقتها , وهناك جرت كثير من المياه تحت الجسر, وطفا

على السطح كثير من الخلافات التي كانت تجري وراء الكواليس, .

صمود حركتي العدل والمساواة والتحرير جناح عبد الواحد في ابوجا, جددا آمال

الثوار في دارفور, لكن صمودهما لم يعصمهمها من طوفان الخلافات الجارفة

التي اجتاحت ابوجا , .

مهما كانت دواعي هذه  الخلافات , عظمت في تقدير البعض وصغرت في

بعضها , لا يستطيع الشاهد أن ينكر فضل كل حركة على الأخرى , تضامنت

 هذه  الحركات بطريقة أو أخرى في إلحاق الهزيمة بالنظام , عسكرياً في الميدان

ودبلوماسياَ في المحافل الدولية , واجتماعياً ومعنوياً في أوساط المجتمع السوداني  

وخرجت بالقضية إلى آفاق المستقبل كما ترى .هنا أشير إلى ما نشره الأخ /يحى

بشير الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان , وصف قادة حركة العدل والمساواة

بأنهم مخالب أو عملاء لمؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الترابي , ووصف قادة من

جبهة الخلاص بأنهم أفراد من صنيعة النظام الخرطوم فسوف يعودون قريباً إلى

الخرطوم ,وتجاهل أي دور للحركات !عدا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد 

وتشتم من حديثه رائحة القبلية , وان لم يصرح بها صراحة كما فهمت . إذا كان لي أن 

أتحدث عن دور كل حركة من الحركات منذ انطلاقتها,  فحركة العدل والمساواة 

مهدت الطريق  إلى الثورة في دارفور , فإذا كانت القادة في الحركة هم الذين صاغوا

الكتاب الأسود , كما صرح د. خليل إبراهيم  زعيم الحركة من قبل فاٍن هذا انحاز

لا يمكن تجاهله , ولا يمكن تصديق ما يروجه البعض عن انتماء هذه الحركة لمؤتمر

الشعبي الذي لا تربطه الصلة بدارفور, ولا يمكن إنكار دور شباب دارفور في حركة

العدل والمساواة الذين كانوا جزءاً من النظام وثاروا عليه , واستفادوا من خبرتهم في

العمل مع النظام – إلمام بمكامن القوة والضعف -    عملاً بمثل أهلنا في دارفور

( ابوالقدح  يعرف مكان يعض أخوه ) كان لهم دور حيوي في كشف أسرار النظام

وفضح أعماله الإجرامية في الداخل والخارج , والخلايا السرية  التي تعمل في  

داخل وتمد الثوار بالمعلومات هم أيضا أعضاء في حركة العدل والمساواة  .

أما حركة تحرير جناح اركو مناوي , كانت لها دور فعال في الميدان  ( عملية  كابوس

الفجر ) -هذه تسمية من عندي- التي اجتاحت مطار الفاشر , ودكت حصون النظام

وغيرت موازين القوى , وحطمت أسطورة (دبابين ) , منها بدأت قصة الأولاد السمر 

القادمون من حضن الصحراء  , رغم إخفاقاتها المتكررة وأخطائها القاتلة , وهجومها

المتعمد على الفصائل الأخرى إلا أن بدايتها كانت قوية .

حركة تحرير جناح عبد الواحد : أسست أول خلية ثورية مسلحة في جبل مرة ومنها

انطلقت الثورة , قائدها عبد الواحد نور كان طالباً ثورياً في الجامعة , وواصل النضال

مع رفاقه بعد التخرج , يراهن عبد الواحد على الأغلبية الميكانيكية في وسط النازحين

وعلى أهله الفور الذين هتفوا باسمه بعد ابوجا – فأدار ظهره للجبهة الخلاص

الوطني  , التي ضمت الفصائل الثورية المسلحة في دارفور , فلولا  هؤلاء الشجعان

في جبهة الخلاص الوطني ,لما استطاع  خروج الأخ عبد الواحد ورفاقه من جبل مرة

حيث كانت مليشيات الحكومة تطوقهم  في الجبل , لهذا يجب أن لا نتجاهل ولا تبخس

دور أي حركة من الحركات الثورية التي ساهمت في بناء الحركة الثورية في دارفور .

حامد جربو / السعودية