Jarbo.com
سقوط الأقنعة
يقال أن السياسة هي فن الممكن ...
والبعض يعتبرها لعبة قذرة ( dirty game )
وفريق آخر يعتقدها (عبادة يخلصها لله سبحانه وتعالى )
كما ادعى نفر من أهل الإنقاذ في بداية التسعينيات .
يا ترى أي مدرسة سياسية تتخذها حكومة المؤتمر الوطني في السودان
في تعاملها مع البشرية !0منذ توقيع اتفاقية السلام بين الحركة الشعبية
وحكومة المؤتمر الوطني في( نيفاشا ) قبل عام , ارتمت الحكومة في أحضان
الاتحاد الأفريقي وتشبثت فيه تشبث الغريق بالمنقذ , وبدأت تنادي بالرجوع إلى
أفريقيا , وبمرجعية إفريقية في حل قضايا القارة المستعصية , وبعدم تدويل
قضية دارفور,وحثت زعماء الأفارقة ببذل كل ما في وسعهم للحيلولة دون خروج
القضية من البيت الأفريقي , .
قبيل انعقاد القمة الأفريقية في الخرطوم , ارتفعت الأصوات ,وزاحمت الطبول
الآفاق , وزينت سماء العاصمة بالرايات , وزخرفت بالأعلام , تدعوا إلى قمة
تاريخية بقيادة المشير عمر البشير الذي سوف يصبح حكيم إفريقيا بعد تنصيبه
رئيساَ للاتحاد الأفريقي للدورة القادمة , فهذه هي الغاية التي من أجلها صرفت
الملايين , في القصور الرئاسية وفي قاعات المؤتمرات وصالات الاسترخاء وحدائق
النزهة و(يخت الرئاسة), من أموال اليتامى والمساكين وأطفال الملاجئ والمشردين
وجاء زعماء الأفارقة إلي الخرطوم للقمة , وكانت الصدمة و السابقة الغريبة في
عالم الدبلوماسية , هناك سلوك وبرتوكولات غير معهودة يصل إلي حد التملق
والنفاق والانحناء , في كيل الثناء والتقريظ لأفريقيا وزعمائها وأمجادها وحضارتها
وبعد الجلسة الافتتاحية مباشرة طرحت الحكومة موضوع الرئاسة , وتمسكت بها بقوة
فأدخل القمة في مأزق ما كان في الحسبان , ولكن نجح الاتحاد من اجتيازه بحكمة
وفلت من الشراك الذي أوقعته فيه الحكومة .
أخفقت الحكومة وفشلت كل مخططاتها في إمساك بتلابيب الاتحاد الذي من عبره
يريد النظام في الخرطوم أن يخطو أولى خطواته إلي العالم , فأصيب بخيبة أمل
جراء خسرانه رئاسة الاتحاد , فتراخت الصراخ , وتراجعت صفوف الغوغاويين
وخبا أبواق (الطبالين) , وصرح مسئول كبير في النظام متهماَ الاتحاد بالضعف
وأنه أي الاتحاد رضخ لضغوط الأمريكية في اتخاذ القرارات ولا سيما المتعلقة
بالوضع المتأزم في السودان .
هل كان النظام في الخرطوم يريد أن يخدع أو يستميل خواطر زعماء الأفارقة
بالثناء والتقريظ وكرم الضيافة ليساندوا ويؤيدوا مواقفه ويقفوا بجانبه ضد إرادة
الشعب السوداني والمجتمع الدولي ؟.. كيف لزعماء أمثال : السنغالي د. عبد الله
واكد , والجنوب الأفريقي ثامبو مومبيكي , والكيني موي كيباكي , والنيجيري ابوسانجو
أن يجاروا رئيس مثل عمر البشير المتهم بقضايا إجرامية متعددة بعضها تصل إلى حد
الإبادة الجماعية , ( إذا جاريت خلقاَ دنيئاَ أنت ومن تجاريه سواء ) , ثم إن هذه البلدان
تعتبر منافذ وبؤر مضيئة في القارة السمراء وديمقراطيات ناشئة التي تقتدي بها دول
القارة إلى عالم الحرية والمساواة والإخاء التي تفتقدها كثير من دول القارة ومن ضمنهم
السودان0 ليس من الحكمة أن يعادي الاتحاد الأفريقي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
من أجل( سواد عيون) النظام في الخرطوم , على النظام أن يعي أن زعماء الأفارقة
ليسوا أغبياء ولا سذج كما يعتقد 0, أتخذ الاتحاد موقفاَ شجاعاَ ولو مبدئياَ بشأن قواته
بدارفور بأنه لا يمانع من انتقال المهمة إلى قوات الأممية إذا كان ذلك يضع حداَ
لهجمات الجنجاويد لمعسكرات اللاجئين , وأنه يتعاون مع المنظمة الدولية في مواجهة
تعقيدات القارة المتوارثة , عندها بدأ النظام في الخرطوم يرسل إشارات سالبة للاتحاد
وهدد بالانسحاب منه إذا تخلى عن مهمته في دارفور أو تنازل للأمم المتحدة , وسقط
قناع الزيف عن وجه النظام وظهر على حقيقته العدوانية , هذا النظام الذي خسر من قبل
الاتحاد أوروبي والأمم المتحدة بتهوره يخسر الآن الاتحاد الأفريقي الذي آزره في المحافل
الدولية , وصوت لصالحه وأنقذه من عقوبات محققة وخانقة , وكاد أن يفقد بريقه من أجله
ما عاد يطيق أكثر من هذا, وبدأ الاتحاد ينصح النظام بتقديم شئ ملموس أوان يتخذ موقف
إيجابي بشأن قضية دارفور يقنع المجتمع الدولي ويخفف الضغط عليه وعلى الاتحاد , تمرد
النظام الذي لا يتقن فن الممكن وكرر اتهام الاتحاد ووصفه بالهزيل وأن قواته في دارفور
قاموا بنقل أسرار الدولة إلى الأمم المتحدة ونشروا وباء الإيدز ويعملون على تنصير المسلمين
في معسكرات اللاجئين 0آن الأوان على الاتحاد الأفريقي أن يعلم مع أي نوع من الساسة
يتعامل معه, وآن الأوان على الاتحاد أن يعلم أن النظام في الخرطوم لا يفهم إلا لغة من يملك
قوة رادعة .